شلالات الدماء والعالم الكاذب والعرب الخانعون.. لكِ الله يا غزة

أطفال صغار أصيبوا في غارات جوية إسرائيلية (غيتي)
أطفال صغار أصيبوا في غارات جوية إسرائيلية (غيتي)

 

كل يوم يستمر فيه العدوان الصهيوني البربري المجنون يسقط مئات الشهداء في غزة، وتتهدم بيوت، وتُزال شوارع ومربعات سكنية كاملة، وتزداد الحياة قسوة، فلا أمان ولا طعام ولا شراب ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا خدمات ولا حياة، إلا الشهادة أو انتظارها، لا أحد في العالم يواجه مثل هذه الأهوال إلا غزة.

إنه وضع مأساوي يعيشه أهل غزة منذ نحو شهرين، بينما قِسْم من العالم بقيادة أمريكا يدعم الصهيوني المتوحش في جرائمه التي تفوق كل وصف، وقِسْم ثانٍ يجبن عن الضغط الجاد والحقيقي لإيقاف هذه المقتلة الكبرى، وعلى رأسهم العرب الخانعون، وقِسْم ثالث غير عابئ ومائع في مواقفه تجاه شلالات الدماء.

قلبي يتمزق على الأطفال الشهداء في القصف المهووس للمنازل والمدارس والمستشفيات فوق رؤوس ساكنيها أو الفارّين إليها بحثًا عن أمان مفقود، قلبي يتمزق على النساء والشيوخ والشباب والرجال، وعلى كل فلسطيني يموت في غزة والضفة والقدس المحتلة بأيدي هؤلاء السفاحين.

لماذا هذا الشعب وحده من دون العالم اليوم يكابد أشرس وأحط احتلال على مر التاريخ؟ لماذا هذا المحتل الغاشم يمارس سلوكياته الهمجية الاستئصالية في عالم لا يمل من الحديث عن استقلال الدول وسيادتها وحقها في تقرير مصيرها، عالم يُصدّعنا بالحديث عن القوانين والمواثيق والشرائع والعهود الدولية وحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية وكرامة الشعوب والأمم.

العالم الكاذب المنحط

أيها العالم، أنت كاذب كذوب، أنت غابة متوحشة، أنت في المرحلة الأكثر انحطاطًا في التاريخ، العالم كله دون استثناء، غزة المتروكة فريسة ينهش فيها الصهيوني كما يشاء تُثبت كم أنت عالم منافق وشريك في الإجرام والفتك بأهل غزة الذين يتعقبهم الصهيوني بالقتل البشع أينما وُجدوا في كل شبر من القطاع المنكوب بهذا العالم الذي لا يستحق أدنى نظرة احترام، والمنكوب بالعرب الذين يخلعون رداء الشرف، بينما يُستشهد أهل غزة مكللين بالشرف والفخار.

قلامة ظفر أصغر طفل فلسطيني هى عندنا بكل أولئك الصهاينة الهمج، هؤلاء عصابة من البلطجية المأفونين حكامًا ومحكومين، وهم إذا خالف بعضهم بعضًا فإنهم يجمعهم اتفاق واحد هو عداؤهم لكل ما هو فلسطيني.

هم يعلمون أن وجود الفلسطيني معناه نفي وجودهم، معناه أن فلسطين لن تكون لهم، معناه أنهم مهما احتلوا واستوطنوا وتوسعوا في اغتصاب الأرض فإن هناك صوت طفل فلسطيني يقول لهم “أنا موجود وسأظل موجودًا”، وإن الأرض لها صاحب وإن اللص لن يهنأ بالغنيمة مهما استمر في سرقتها ومهما تعاظمت قوته ومهما استخدم هذه القوة بهمجية وأحقاد وعنصرية وكراهية.

جريمة الجرائم

العدوان الحالي جريمة الجرائم للكيان الإرهابي، ولا ينبغي تصوُّر أن نتنياهو المتهم بالفساد والذي يهتز كرسيه على رأس الحكومة النازية وتنتظره التحقيقات على الإخفاق الكبير أمام عملية المقاومة في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولهذا يستخدم القوة المدمرة ضد غزة لمحاولة البقاء وربما النجاة من المحاسبة، لا ينبغي أن نظن أنه إذا رحل اليوم أو غدًا فإن من سيأتي بعده سيكون داعية سلام، وبايدن إذا فقد رئاسة أمريكا، فإن من سيخلفه سيكون عادلًا، أبدًا، فكلهم أشرار مفترسون يتملكهم السعار تجاه الجسد الفلسطيني.

هؤلاء السفاحون تجمعهم عقيدة صهيونية ونهج نازي لابتلاع فلسطين كلها وإبادة شعبها ثم يستديرون إلى أراضي العرب، فخريطتهم وكيانهم الموسع يمتد من الفرات إلى النيل، وربما أبعد من ذلك، بدعم الغرب والمسيحية الصهيونية الدينية المتطرفة.

المجازر رسالة ترويع للعرب

كل هذا التدمير والقتل في غزة وجعلها أرضًا محروقة ليس انتقاما من حماس ولا شعب غزة فقط، إنما رسالة إلى كل البلدان العربية من الصهيوني بأن لدينا القوة الخارجة عن كل قانون وقيد وأخلاق، قوة الترهيب والردع، وإياكم والاعتقاد أن اختراقنا في 7 أكتوبر وهز وجودنا وفشلنا أمام المقاومة الفلسطينية -وهي ليست جيشًا، ولا تمتلك شيئًا مما تمتلكه جيوشكم من ترسانات سلاح وإنفاق ضخم على الدفاع- سيعني أنكم قادرون علينا أو تفكرون في المساس بنا، والمحزن أن العرب مستسلمون لهذه الادعاءات التي أسقطها الفلسطيني.

العواصم العربية لم تمتلك طوال تاريخ الصراع مع هذا العدو المجرم المبادأة في مواجهته إلا في 6 أكتوبر 1973، وكانت مرة وحيدة، وتوقف العرب بعدها عن فكرة الحرب أو تحرير الأرض، وحتى من لا تزال أرضها محتلة ولم تعقد اتفاق سلام مع المحتل، فإنها طوال 50 عامًا لم تقذف حجرًا واحدًا على المحتل، بل تتلقى الضربات دون رد.

ما العمل أمام هذه المجازر المتواصلة الشنيعة؟

لا حل واضحًا لإيقاف المجازر، فالعرب يتوسطون بين الضحية والجلاد، يتحركون بين القاتل والمقتول لأجل هُدَن إنسانية، هذا كل ما يفعله العرب طوال شهرين من حرب الإبادة، ولذلك لا أمل في أي موقف رجولي غير الشجب والاستنكار السخيف الذي صار سُبّة في جبين الأنظمة الضعيفة الخانعة.

الحل في مواصلة المقاومة التجاوبَ مع أي مبادرات للهدنة حتى لو كانت على غير رضاها أو لا تلبي كل شروطها، فماذا تفعل وهى محاصَرة تمامًا وشعبها يواجه إبادة شاملة مجنونة؟

والحل أيضًا في مواصلة القتال في المعركة البرية، ولو كان العدوان بريًّا فقط لما كان استمر كل هذا الوقت، ولكان اندحر سريعًا، فلا طاقة له على المواجهة المباشرة، فالسفاح يستخدم احتكاره للجو فيقصف بشراسة للترويع وقتل أكبر عدد من المدنيين ودفعهم دفعًا إلى التهجير القسري.

ليس أمام الفلسطينيين في غزة -وكذلك في الضفة والقدس- إلا الله وحده، بعد أن خذلهم الشقيق وتركهم في المحرقة، ويشارك في هذه المحرقة الأمريكي والأوروبي وكل الصامتين والمائعين الذين فقدوا إنسانيتهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان