توازن المليشيات.. معادلة المواجهة مع قوات الاحتلال

ياسر عرفات

على الرغم من المواجهات المتقطعة التي نشهدها من آن إلى آخر الآن بين سلطة الاحتلال الإسرائيلية والمقاومة الفلسطينية، التي تنذر بتصعيد شامل بين لحظة وأخرى، فإننا يجب أن نقر بأن أهم الأخطاء العربية الواضحة خلال حرب 1948، كانت مواجهة مليشيات وعصابات صهيونية بجيوش عربية نظامية لم تستطع التعامل كما يجب مع عمليات الكر والفر التي تستخدمها العصابات والمليشيات في مثل هذا النوع من الحروب، أما وقد تبدلت خطوط المواجهة العربية الآن، من جيوش في مصر وسوريا والأردن، إلى مليشيات في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية، وإلى حد ما مقاومة من الداخل الإسرائيلي، فقد بدا أن الردع وتوازن الرعب لا يحكمان سير العمليات فقط، وإنما وهو الأهم، عملية اتخاذ القرار على الصعيد الإسرائيلي المنفلت بحكم قوة السلاح من جهة، وضمان عدم الإدانة من العواصم الكبرى والمنظمات الدولية من جهة أخرى.

التروي في إطلاق النار

أصبح أمرًا طبيعيًّا في السنوات الأخيرة، أن نجد سلطة الاحتلال تتروى في اتخاذ قرار الرد على مصدر إطلاق النار، أو تتردد في تنفيذ اعتداءات تعلم مسبقًا عواقبها، أو تنفي عن حزب الله اللبناني تحديدًا مشاركته، أو حتى علمه بعمليات إطلاق مصدرها الجنوب!!، أصبحت دولة الاحتلال تعيش للمرة الأولى في تاريخها حالة هلع في آن واحد من الشمال في لبنان، والجنوب في غزة، والداخل بالضفة الغربية، وذلك بالتزامن مع عمليات طعن ودعس وإطلاق نار داخل ما يسمى الخط الأخضر في كل مدن فلسطين التاريخية، أو ما يسمى إسرائيل الآن.

ومع اختفاء خطوط المواجهة التاريخية، ظهر على السطح الدعم الإيراني الواضح لخطوط المواجهة الجديدة، وهو ما أكدته تصريحات قادة حماس، وسلاح حزب الله المشهر، ليس ذلك فقط، بل من خلال جبهة جديدة لم تكن في حسبان دولة الاحتلال أبدًا، وهي جبهة الحوثيين في اليمن، التي من المنتظر أن تدخل على خط المواجهة عمليًّا بين لحظة وأخرى، من خلال صواريخ ومسيرات تشير التقارير إلى أنه يمكنها الوصول إلى مدينة وميناء إيلات، وربما إلى ما هو أبعد وأعمق.

الحقيقة المؤكدة التي أثبتتها مواجهات حركتي حماس والجهاد مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، هي أن إسرائيل حكومةً وجيشًا ما زالت تدار بعقلية العصابات نفسها التي أدارت إنشاءها قبل 75 عامًا، مثل عصابات الهجانة والأرجون زفاي ليومي الصهيونيتين وغيرهما، خصوصًا في وجود الحكومة الحالية التي يهيمن عليها اليمين المتطرف، والتي يقود أعضاؤها عصابات المستعمرين للقيام بهجمات على القرى والبلدات الفلسطينية حرقًا ونهبًا وقتلًا، تحت غطاء وحماية قوات الجيش والشرطة.

الحرس الوطني

من هنا جاء تفكير ذلك اليمين المتطرف بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في التقدم بمشروع لإنشاء ما يسمى الحرس الوطني ليكون قوة أمن جديدة، تُعد بمثابة عصابات خاصة في زي رسمي، حتى يمكنها القيام بكل العمليات التي تعتبر خارج إطار القانون تحت المظلة الرسمية، تفاديًا للانتقادات الدولية لممارسات المستعمرين في الآونة الأخيرة، وهو مشروع مثير للجدل هناك الآن، بموازاة مشروع آخر يسعى للحد من سلطة القضاء، وخاصة المحكمة العليا، تم تأجيل إقراره إلى وقت لاحق بعد احتجاجات واسعة. وهذا المشروع وذاك يلتقيان كما هو واضح في الهدف النهائي، وهو التوسع في التطرف والبلطجة.

سلوك المليشيات الصهيونية الإجرامي، من الواضح أنه هو التكوين الطبيعي لهذه العقلية التي تؤكد طوال الوقت أنها نبت شيطاني في المنطقة، ولا تجد جبهة تعاني ضعفا ما إلا جعلتها هدفا يوميا للقصف والدمار والتخريب، كما هو الحال مع الشقيقة سوريا الآن، إلا أنها في الوقت نفسه تحسب حساباتها جيدا لقطاع غزة الذي تم تحريره بقوة السلاح، وتحسب كل الحسابات لحزب الله في لبنان، الذي اعتاد رد الصاع صاعين.

يمكننا التأكيد على أنه منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993 الموقعة بين سلطة الراحل ياسر عرفات ودولة الاحتلال، لم تقم أي دولة عربية بمد الفلسطينيين بأي نوع من السلاح أو حتى الذخيرة، ولا تستطيع أي دولة أن تفعل ذلك، في ظل إغلاق كامل لحدود دول المواجهة التاريخية من جهة، وضمان غربي أمريكي في هذا الصدد من جهة أخرى، أضف إلى ذلك خروج السلطة الفلسطينية بكل فصائلها من دائرة النضال والمقاومة وتحرير الأرض، إلى حظيرة التنسيق الأمني المخزي مع سلطة الاحتلال، في مواجهة ما يمكن أن يطرأ من عمليات مقاومة، حتى لو كانت فردية هنا أو هناك.

تطهير قطاع غزة

على الرغم من ذلك استطاع قطاع غزة التطهر من الاحتلال بإرغام آخر جندي ومستعمر إسرائيلي على الانسحاب في سبتمبر 2005، في أعقاب مقاومة باسلة تصدرتها حركة حماس على مدى ثماني سنوات، بدأت مع انتفاضة الحجارة في ديسمبر عام 1987، وظلت الحركة ومجموعة فصائل أخرى تعمل على تطوير قدراتها العسكرية، من خلال إمكانيات محلية شحيحة، وما يتم تهريبه بحرًا وبرًّا، وما يتم شراؤه أحيانًا من عناصر قوات الاحتلال!!

وقد جاء الانسحاب من قطاع غزة بعد خمس سنوات من الانسحاب من الجنوب اللبناني عام 2000، بالطريقة نفسها، تحت وقع ضربات المقاومة اللبنانية، وهو ما يؤكد أن العصابات الصهيونية لا تعترف بغير لغة القوة، وهو الأمر الذي يفسر أسباب إطالة أمد احتلال الضفة الغربية، بفعل الاتفاقيات والمباحثات والسلطة الرسمية والتنسيق الأمني وما شابه ذلك.

الغريب في الأمر، هو أننا أمام آخر سلطة احتلال في العالم، وأمام قضية من أعدل القضايا، وأمام قوة غاشمة لا تتورع عن القتل وسفك الدماء على مدار الساعة، إلا أن هذه القضية تحديدًا لا تجد إنصافًا لا على المستوى الإقليمي ولا على المستوى الدولي لأسباب معلومة؛ مما يُفقد كل المنظمات الدولية شرعيتها وذريعة وجودها، وفي مقدمة تلك الأسباب التخاذل العربي، أو بمعنى أدق تخاذل الأنظمة التي تفتقد أصلًا الشرعية في معظمها، وفاقد الشيء لا يعطيه.

من هنا يمكننا التأكيد على أن مليشيات المقاومة، التي تشكل على أرض الواقع الآن، خط الدفاع عن الأرض والعِرض، أصبحت -بعد تغيير المعادلة- هي المعنية والموكلة شعبيًّا بحماية المقدسات وتحرير الأرض من الدنس الصهيوني، وإذا كنا نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى أن يكلل مسعاهم بالنصر والسداد، فإننا في الوقت نفسه نأمل ألا تقف الأنظمة الرسمية حجر عثرة أمام تحقيق وعد الله، وما ذلك على الله بعزيز.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان