السودان.. مأساة مستمرة ودماء مُهدرة

حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع (رويترز)

 

تسارعت الأحداث في السودان مع نهاية الأسبوع الثاني من شهر أبريل/نيسان 2023، حتى وصلت إلى المواجهة العسكرية الشاملة بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تم فيها استخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة البرية والجوية، وسقط عشرات القتلى ومئات المصابين، في وقت تعاني فيه البلاد من حالة فوضى وعدم استقرار سياسي واقتصادي منذ الإطاحة بالنظام السابق برئاسة عمر البشير في 2019.

سبق هذا الانفجار تأجيل الاجتماع الخاص بالتوقيع على اتفاق بين العسكريين والمدنيين لإنهاء الأزمة التي تعيشها البلاد منذ انقلاب 2019، ويعود السبب الرئيسي لعدم توقيع الاتفاق إلى الخلافات بين البرهان (رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للقوات المسلحة) وحميدتي (نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع) حول شروط دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

وقال الجيش السوداني في بيان صدر في الرابع عشر من أبريل 2023، إنه “يقع على عاتق القوات المسلحة دستورا وقانونا، حفظ وصون أمن وسلامة البلاد، يعاونها في ذلك أجهزة الدولة المختلفة”، وأضاف أن “القوانين نظمت كيفية تقديم هذا العون، وبناء على ذلك وجب علينا أن ندق ناقوس الخطر بأن بلادنا تمر بمنعطف تاريخي وخطير، وتزداد مخاطره بقيام قيادة قوات الدعم السريع بحشد القوات داخل العاصمة وبعض المدن”، وتابع البيان أن “هذه التحركات تمت دون موافقة قيادة القوات المسلحة أو مجرد التنسيق معها، مما أثار الهلع والخوف في أوساط المواطنين، وفاقم من المخاطر الأمنية وزاد من التوتر بين القوات النظامية”، وأكد أنه “لم تنقطع محاولات القوات المسلحة في إيجاد الحلول السلمية لهذه التجاوزات، وذلك حفاظا على الطمأنينة العامة وعدم الرغبة في نشوب صراع مسلح يقضي على الأخضر واليابس”.

ثم حذر الجيش السوداني من خطر وقوع مواجهة بعد تحركات وحشد لقوات الدعم السريع في الخرطوم ومدن أخرى في مؤشر على تصاعد التوتر بين القوتين المتنافستين، وقال الجيش إن هذه التحركات “تخالف مهام ونظام عمل قوات الدعم السريع وفيها تجاوز واضح للقانون، واستمرارها سيؤدي حتما إلى المزيد من الانقسامات والتوترات التي ربما تقود إلى انفراط عقد الأمن بالبلاد”.

مليشيا الجنجويد والدور المرسوم

قوات الدعم السريع التي تشكلت عام 2013 وانبثقت عن مليشيا الجنجويد التي اعتمد عليها الرئيس السابق عمر البشير لقمع التمرد في إقليم دارفور، أعلنت في بيان لها أنها تنتشر في جميع أنحاء البلاد في إطار واجباتها العادية، وذكرت أنها “تنتشر وتتنقل في كل أرجاء الوطن، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار، ومحاربة ظواهر الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، ومكافحة التهريب والمخدرات والجريمة العابرة، والتصدي لعصابات النهب المسلح أينما وُجدت”.

وقال حميدتي، رئيس هذه المليشيا، المدعوم ماليا وعسكريا ومعلوماتيا وإعلاميا من أطراف إقليمية ودولية، إنه نادم على الانقلاب ويدعم اتفاق المرحلة الانتقالية المدعوم من الأمم المتحدة والغرب والخليج لمنع عودة الإسلاميين الموالين للبشير إلى المشهد السياسي، وقال في بيان بعد اجتماع مشترك عبر الهاتف مع مبعوثين خاصين من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج إنه لا يزال ملتزما بما تم التوقيع عليه في الاتفاق الإطاري في ديسمبر/كانون الأول 2022، وأكد حرصه على تعزيز الاستقرار، والعمل على دعم مسيرة التحول الديمقراطي في البلاد.

وبعد التحذير الصادر عن الجيش السوداني، تقدم وزير المالية جبريل إبراهيم، وحاكم إقليم دارفور مني مناوي، وعضو مجلس السيادة مالك عقار، بمبادرة لحل الأزمة، وقالوا في بيان صدر في الخامس عشر من أبريل 2023 “بعد حوار صريح وجاد، أكد لنا الأخ القائد (دقلو) التزامه التام بعدم التصعيد، واستعداده للجلوس مع أخيه رئيس مجلس السيادة وإخوته في قيادة القوات المسلحة السودانية في أي وقت ومن غير قيد أو شرط بغية الوصول إلى حل جذري للأزمة يحقن الدماء ويحقق الأمن والطمأنينة للعباد والبلاد”، ثم قالوا إنهم اجتمعوا مع البرهان الذي وجدوا لديه استعدادا “للإقدام على أية خطوة تعين على حلحلة الإشكال الطارئ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي”، وأضافوا “نطمئن المواطنين الكرام بأن الأزمة في طريقها إلى زوال”.

لكن لم يأت هذا الزوال، بل انفجرت الأوضاع، وخرجت عن سيطرة جميع الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، ودخلت البلاد في مواجهة عسكرية عنيفة ومفتوحة، وخلال ساعات سقط المئات بين قتيل وجريح، وكان أغلب الضحايا من بين المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم بين سندان الجيش ومطرقة الدعم السريع، هذين الطرفين اللذين لا يأبهان لما يمر به هذا الشعب من كوارث وأزمات تفاقمت حدتها خلال السنوات الخمس الماضية.

وكيف يأبهان وهما لا يعنيهما بأي حال من الأحوال أمن الشعب واستقراره، أو أمن الدولة وثرواتها ومقدراتها، ورهنا إرادتهما وقرارهما للعديد من الأطراف الإقليمية والدولية التي تعبث بهما معا وتستخدمهما أدوات وظيفية للقضاء على البقية الباقية من ثروات هذا الشعب ومقدراته؟

مصير المواطن السوداني المقهور

لقد أصبح المواطن السوداني على يقين كامل أن كل ما حدث ويحدث منذ 2019، هو سيناريو تم الإعداد له بمهارة وتخطيط مُحكَم للوصول بالبلاد والعباد لما آلت إليه الآن، وأنه بدلا من أن تراعي القوى العسكرية والسياسية التي خاضت حركة احتجاج واسعة ضد النظام السابق، مصالح المواطنين، أصبح الهدف الأول هو الصراع على السلطة والنفوذ والثروة، في بلد يُعَد من أغنى دول القارة الأفريقية بثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، وكذلك ثرواته من المياه العذبة، بجانب موقعه الاستراتيجي الذي جعله هدفا لكل الأطراف الطامحة إلى النفوذ والتأثير في شرق القارة الأفريقية بصفة عامة وفي حوض النيل بصفة خاصة.

إن المواجهات العسكرية الواسعة التي نشبت في الخامس عشر من أبريل 2023، والتي تندرج تحت مسمى “انقلاب على انقلاب” هي فقط البداية، ويمكن أن يصل الصراع بين المتنافسين ومن يقف خلفهم من الخارج، سواء كانت أطرافا إقليمية أو دولية، إلى حرب أهلية مدمرة، تكون نتيجتها إعادة تقسيم السودان إلى عدة دويلات، بعد تقسيمه عام 2011 إلى شمال وجنوب، والآن تدخل البلاد في دوامة جديدة لتقسيم الشمال إلى كيانات أكثر تفكيكا وتفتيتا وتشرذما، غير قادرة على الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين، في ظل نخب عسكرية ومدنية تحولت إلى مجرد أدوات في هذه المخطط، وتستمر المأساة السودانية، ويستمر نزيف الدماء المهدرة، التي لم يعد لها حرمة بين المتصارعين في الداخل وداعميهم في الخارج.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان