فنحاس النخاس يكتب التاريخ

الفنان نور الشريف في دور هارون الرشيد

 

 

يتآمر سلام الفارسي على هارون الرشيد متعاونًا مع فنحاس تاجر النخاسة اليهودي في بغداد، ويخطف عصماء زوجة الرشيد بعد أن قتل والدها، وهرب أخوها وأختها من المقتلة التي قادها سلام، وتذهب عصماء أسيرة لدى الروم عن طريق فنحاس.

هذا النخاس صاحب الحانة في بغداد حيث يتاجر في الرقيق والنخاسة، وعندما تولى الخليفة موسى القاسم شقيق هارون الأكبر كان شديدًا مع أصحاب الحانات فأغلقها، ومنع الشعر والغناء في بغداد، ولضرورة وجود فنخاس الجاسوس الرومي في دار السلام عاصمة الخلافة بغداد، فقد أسلم وأطلق على نفسه اسم موسى تزلفًا للخليفة وعمل كبائع للخل.

عندما قتل موسى الهادي مسمومًا وتولى هارون الرشيد الخلافة، وأعاد الشعراء لكتابة الشعر والغناء والموسيقى، لكن فنخاس الذي كان يمثل طليعة جواسيس الروم وقائدهم غيّر مهنته مع هارون، وأصبح صاحب قرطاسية -مكتبة- في العلن تكتب أشعارًا في مدح الخليفة، وفي الخفاء يكتب تاريخًا مزيفًا، ومعه مجموعة من الكتبة التابعين للروم والدولة البيزنطية.

هذه الشخصية إحدى الشخصيات التي أبدعها الكاتب الراحل عبد السلام أمين في رائعته الدرامية هارون الرشيد أو الأمير المجهول، هذا المسلسل الدرامي الذي كتبه أمين وأنتجه قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري عام 1997، وأخرجه أحمد توفيق.

أعمال أمين التاريخية

وهارون الرشيد أحد أعمال ثلاثية المؤلف عن العصر العباسي، وقد أنتج قطاع الإنتاج عملين هما هارون الرشيد، وذو النون المصري، إنتاج 2000، بينما لم يكتب للثالث وهم مسلسل رابعة العدوية الذي كان مزمع إنتاجه في 2001، لكن لم يكتب له الظهور إلى النور بسبب تغيير قيادات قطاع الإنتاج بعد فترته الذهبية أثناء تولي ممدوح الليثي إدارته، وهو العصر الممتد من منتصف ثمانينيات القرن العشرين حتى بداية الألفية الثالثة، ومن أهم أعمال عبد السلام أمين أيضًا في هذه الفترة مسلسله المبدع عن الخليفة الأموي العمري عمر بن عبد العزيز أو خامس الخلفاء الراشدين، وهو العمل الذي سيكون ثالث الأعمال مع هارون الرشيد وذو النون المصري التي أتمنى الإطلالة عليها خلال المتبقي من مقالات شهر رمضان المبارك.

أعمال عبد السلام أمين هي مدرسة حية لمن يريد أن يتناول الأعمال التاريخية، ليس فقط بالتدقيق في الأحداث وكيفية دمجها مع رؤية المؤلف، وهي إحدى قواعد الكتابة التاريخية، فيمكن للمؤلف أن يستبعد شخصيات أو يهمش أدوراها، ولكن عند الواقعة التاريخية لا يمسها، ويكتب تاريخًا خاصًا به وبأهوائه، الدراما عمل فني إبداعي لكنها لا تكتب تاريخًا جديدًا.

تناقض الروايات عن الرشيد

وقع عبد السلام أمين في حيرة وهو يكتب شخصية هارون الرشيد، وكأي مدقق فوجئ بكم التناقضات في كتابة هذا التاريخ ما بين إنجازات ضخمة في المجالات كلها من فتوحات، وسياسة عادلة، وإنجاز في مجالات العلوم والترجمة والطب وأيضًا الصناعات، وعلى الجانب الآخر كان هناك من صوروا الرشيد بالمجون والخلاعة، وعشقه للنساء كما الصورة في كتاب ألف ليلة وليلة الذي قدّم الرشيد الذي تولى الخلافة من عام 170 هجرية حتى 193 هجرية برؤية مخالفة للواقع.

ما بين هاتين الروايتين استطاع أمين أن يدقق ساعده في ذلك أن معظم المؤرخين والمدققين استبعدوا تلك الروايات التي جاءت في “حواديت” ألف ليلة وليلة، ومن هنا جاءت حكاية فنحاس النخاس في المسلسل كواحدة من إشارات إلى قيم فريدة في أعمال الشاعر والمؤلف وكاتب السيناريو والحوار المتمكن عبد السلام أمين، ولنحاول معرفة لماذا يتم تزييف التاريخ؟ فتلاميذ فنحاس يتغلغلون في الأوساط الدرامية والسينمائية يكتبون تاريخًا كما يحلو لهم معتمدين على نظرية فنحاس النخاس الذي أسلم وأصبح اسمه موسى.

نظرية فنحاس

تدخل عصماء زوجة الخليفة الأسيرة على مجموعة من الكتبة يتزعمهم فنحاس وداود يدونون حكاياتهم المزيفة عن هارون الرشيد، حيث الجواري الحسان الذين لا يرتدون ملابس أو يرتدون الشفاف منها، والسهر طوال الليل في أحضان الغانيات، وأنهار الخمر، والتسالي بالحكايات، ومسرور السياف الذي يقطع كل ليلة رقاب الفتيات، وتصرخ الأسيرة العربية بطلة رواية هارون الرشيد بعقل عبد السلام أمين فيهم، وهي تراهم يكتبون هذه الحكايات.

يأخذون معلومة صغيرة جدًا ثم ينسجون عليها قصصًا كثيرة من الخيال ويتعمدون التشويه، وعندما يبالغ أحدهم في الكتابة يوقفه آخر “هذا كثير جدًا ليس معقولًا”، فيجيبه فنحاس “ومن يدريك أنني سأنشره الآن، ليقول أحد أنه مبالغ فيه أو غير حقيقي؟ سنحتفظ بها لما بعد لينشر بعد مئات أو آلاف السنين، فمن حينها سيبحث إن كان حقيقيًا أم خيالًا؟”.

وهكذا يعتمد الآخرون دائمًا على الوقت، فهم يكتبون أحداثًا مغايرة للحقائق ويؤجلون نشرها، كما في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد خوفًا من العقاب، ولأنهم كاذبون فيواجهوا بفضح أكاذيبهم وسط من هم معاصرون، وهناك آخرون في بعض الأزمنة يجدون في السلطة حاميًا، بل داعمًا ومكافئًا لهم على هذا التزوير، فيكتبون تاريخًا مشوهًا طمعًا في ذهب المعز، وخوفًا من سيفه، ما هكذا يكتب التاريخ يا سادة.

فنحاس الذي يؤلف تاريخًا مغايرًا للواقع اعتمد على الزمن، فبعد مرور الزمن لن تجد من يدقق الحكايات والتاريخ، خاصة عندما تنتشر بين العامة، أما إذا دقق أحدهم فلن يجد لا الوسائل والوقت لكي يصل تدقيقه إلى جزء ضئيل ممن وصلت إليهم حكايات التاريخ الذي تم تشويهه، ولدينا العشرات ممن دققوا أحداثًا تاريخية بعد تزيفها، ولم يطالع تلك الكتب أو الوثائق إلا عشرات وسط ملايين أصبح يقينهم الكذب والادعاء، وإذا اعترضت على تزييف التاريخ ولو كان قريبًا ولم ينتهِ بعد والذي كتب في ظل السلطة أو دعمها ستكون في مرمى اللجان الإلكترونية متهمًا في الأخلاق والانتماء والوطن.

المصدر : الجزيرة مباشر