في العيد: السودانيون محاصرون بين المطرقة والسندان

(1) من أطلق الرصاصة الأولى؟
حتى هذه اللحظة لا أحد يعرف على وجه الدقة من أطلق رصاصة البداية؟ ومن أشعل فتيل الصراع العسكري؟ هل هو الجيش السوداني أم قوات الدعم السريع؟ الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع تثير الحيرة، فكل منهما يحاول أن يبرأ ساحته ويظهر الطرف الآخر بصورة المعتدي، وكل منهما يناشد المجتمع الدولي بإدانة الطرف الآخر.
هذا الصراع المسلح بين رفقاء الأمس أعداء اليوم كان آخر ما يحتاجه السودان المنهك منذ عقود بالصراعات الداخلية والعقوبات الدولية، الشعب السوداني كان يأمل في بداية جديدة بعد الاتفاق الإطاري الذي تم في ديسمبر من العام الماضي، والذي كان من بنوده تسليم الجيش الحكم لسلطة مدنية، ودمج قوات الدعم السريع إلى الجيش، وبدء مسار ديمقراطي يتيح للسودان استثمار موارده الضخمة لصالح الأغلبية الفقيرة التي عانت لعقود بسبب سوء الإدارة وتفشي الفساد والسياسات الخاطئة، فهذه الدولة التي تحتل المركز الثالث من حيث المساحة على مستوى أفريقيا والدول العربية، تمتلك مقومات زراعية هي الأكبر في المنطقة العربية، بواقع 175 مليون فدان صالحة للزراعة، كما يمتلك السودان تقريبًا 100 مليون رأس من الماشية، ترعى في مراع طبيعية، ولديه مخزون من البترول والغاز وكذلك مناجم للذهب والماس واليورانيوم، هذه الدولة كان يجب أن يكون اقتصادها قويًا قادرًا على تحقيق أحلام جيل الشباب وطموحاتهم في السودان، لكن بدلًا من ذلك اقتصاد البلاد هش عاجز عن التنمية يعاني فيه أغلبية الشعب من سوء الأحوال المعيشية ويقتات على المساعدات والمنح والقروض.
(2) صراع السلطة يتجاهل مصلحة الشعب
الخلاف الظاهر بين الجيش وقوات الدعم السريع على مدة دمج هذه القوات في الجيش النظامي الذي حددها الجيش بـ24 شهرًا في حين اقترحت قوات الدعم السريع أن تكون 10 سنوات، ولكن هناك خلافات خفية حول من سيكون القائد العام للقوات المسلحة؟ فكل من “البرهان” و”حميدتي” يجد نفسه الأحق بالمنصب، كما أن تحرك قوات الدعم السريع وامتداد نفوذها إلى دول الجوار الأفريقي وطموحاتها تجعل من تحجيم تحركاتها من قبل الجيش السوداني خسارة كبيرة لمشروعها بأن تكون نواة لقوة عسكرية أفريقية إقليمية تمد نفوذها في محيطها من دول الجوار، وتجني ثروات من جراء ذلك، ولقد تدخلت قوات الدعم السريع عسكريًا من قبل في اليمن وليبيا وتشاد ومؤخرًا في أفريقيا الوسطى، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وصف قوات الدعم السريع بأنها متمردة على الدولة، وأنه في حال القبض على “حميدتي” سيتم تسليمه للقضاء، في حين وصف الأخير قائد الجيش بأنه مجرم، وقال إنه يحارب الإسلام الراديكالي.
هذا الصراع يضع السودان في محنة كبيرة، طرفا الصراع لا يفكران في مصلحة الشعب السوداني المحاصر جراء القصف المتبادل الذى دمر جزءًا من البنية التحتية وخاصة محطات المياه والكهرباء مما أحدث عجزًا في هذه الخدمات، ولا أحد من طرفي الصراع يستمع لنقابة أطباء السودان التي تتحدث عن أعداد القتلى والمصابين في صفوف الأهالي التي تتزايد يومًا بعد يوم، ولا يوجد سبيل لإسعافهم بسبب القصف المستمر في الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في العاصمة والمدن الكبرى في السودان، وهو ما يعرقل أيضًا عمل الصليب الأحمر ومنظمات الإغاثة الإنسانية في السودان، ولا أحد يستمع للطلبة المحاصرين في جامعة الخرطوم الذين يعانون من نقص المؤن والماء. العمليات العسكرية هذه المرة ليست في الأطراف كما كان الحال من قبل، ولكنها بدأت من قلب العاصمة.
استمرار الصراع العسكري يرشح السودان للدخول في أتون حرب أهلية تتوسع ليشترك فيها عدد من جيوش المجموعات المسلحة التي تراقب الموقف وتنتظر نتيجة الصراع، لتقرر الطرف الذي ستنحاز إليه مما سيؤدى إلى توسع دائرة العنف لتمتد إلى ولايات السودان المختلفة.
(3) القوى العظمى حاضرة
تلعب الأبعاد الجيوسياسية الرئيسة دورًا في الصراع الدائر في السودان، حيث تتصارع روسيا والولايات المتحدة وعدد من القوى الإقليمية الأخرى على النفوذ في هذه الدولة ذات الموقع المهم والحدود المفتوحة مع 6 دول، وتخشى القوى الغربية من السماح لروسيا بإقامة قاعدة عسكرية في السودان على البحر الأحمر.
خلال حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير، شهدت العلاقات العسكرية تطورًا كبيرًا بين الخرطوم وموسكو، حتى أصبحت روسيا مصدر السلاح الرئيس للجيش السوداني، بسبب الحظر الدولي للسلاح على السودان والعقوبات الغربية، تزامن ذلك مع اندلاع الحرب في دارفور من جهة ومع جنوب السودان من جهة أخرى. ولقد سمح البشير لروسيا بالتعدين على حدود السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى منذ عام 2017 في مناجم الذهب، ثم بعثت موسكو بمدربيها إلى السودان بدءًا من العام التالي، وأصبح لمرتزقة فاغنر سيطرة على معادن الذهب والألماس الواقعة على جانبي الحدود، بعد أن فتحت حكومات كلا البلدين الباب أمامهم.
ولقد قضى حميدتي نائب رئيس مجلس السيادة السوداني أسبوعًا في روسيا خلال مارس من العام الماضي، حينها صرّح إنه منفتح على فكرة بناء موسكو لقاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر السوداني مما يسهم في توسيع النفوذ الروسي في أفريقيا، ولن تقبل أمريكا بذلك لذا من المتوقع أن يطول أمد الصراع في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، بسبب انحياز دول عظمى لأحد طرفي الصراع ليساعدها على توسيع نفوذها في السودان.
الشعب السوداني وحده يدفع ثمن الصراع على السلطة، ومن المتوقع أن يقضي عيد الفطر المبارك تحت القصف، فطرفا الصراع لا يعترفان بأن من حق الشعب السوداني الاحتفال بالعيد في سلام!! لعنة الله على المفسدين.
