“تحت الوصاية”.. الحبكة الدرامية لا تصنع القانون

 

 

لم يثر عمل درامي جمهور مشاهديه كما فعل المسلسل التليفزيوني تحت الوصاية من إنتاج الشركة المتحدة، وتأليف خالد دياب وشرين دياب وإخراج محمد شاكر خضير، الذي قامت بدور البطولة فيه منى زكي في واحد من أفضل أدورها التليفزيونية، وشاركها التمثيل مجموعة من نجوم الأداء الدرامي منهم من يعاد اكتشافه ومنهم من أكد العمل نجوميته وقدراته التمثيلية.

الأداء الدرامي لأبطال العمل هو واحد من أهم عناصر نجاح العمل ووصوله إلى الجمهور، كما أن الكتابة الدرامية للنص لشرين وخالد دياب والعزف على الجوانب الإنسانية في العمل ساعد كثيرًا على جعل المشاهد يشعر أنه جزء من العمل والأحداث، وهذا يؤكد أهمية النص الدرامي وصدقه الذي يصل به إلى الناس ويجعلهم يرون أنفسهم في العمل، وقد جاءت الحبكة الدرامية للعمل عازفة على أوتار الحزن والألم وتذكرنا قليلًا بالجزء الأول من المسلسل التليفزيوني الشهد والدموع لأسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ وأداء عفاف شعيب الرائع في العمل، وإن اختلفت الرواية كثيرًا.

هذا النص التليفزيوني العازف على أوتار الألم الإنساني لأم يتوفى زوجها، وتعاني من تغيير كبير لحياتها بولاية الجد على أموال أبنائها القصر، جعلها تحاول الهروب بأبنائها ومصدر رزق أولادها بعيدًا عن الوصاية، وبعيدًا عن محاولات الجد من وجهة نظره الحفاظ على أموال القصر، والتدخل في حياتها وحياة الولاد حسب رؤيته.

المخرج محمد خضير استطاع أن يمسك بأوتار النص جيدًا، ويقدم عملًا مؤثرًا، استخدم المخرج أدواته كلها بشكل جيد في توصيل رسالته بدءًا من اختيار فريق العمل وتوزيع الأدوار وخاصة في الأدوار الثانوية، وقدم ممثلين برعوا في الأداء الدرامي، كما استطاع من خلال التصوير في أماكن الأحداث أن يجعلنا نعيش في أجوائها سواء في المشاهد الخارجية الميناء والبحر وشوارع دمياط والإسكندرية، أو في المشاهد الداخلية، ساعده في ذلك ملابس لكل شخصية تتناسب معها، وموسيقى تصويرية رائعة، ومدير إضاءة يفهم أدواته، وكل هذا جعل العمل يلاقى نجاحًا لدى المشاهد خاصة مع موضوع يمس الكثير من الأسر والناس.

حالة إنسانية وقانون عام

بدأ مسلسل تحت الوصاية وفي أول مشاهده بسرقة الأم لمركب أولادها، والرحيل من مكان معيشة أولادها في الإسكندرية، إلى دمياط، بل أنها غيرت ملامح المركب، لتبدأ تشغيله في دمياط المكان الذي اختارته لحياة جديدة، حاول المؤلف والمخرج أن يقدما لنا مبررات هذا التصرف بالتوازي مع حياة البطلة الجديدة في دمياط من خلال استخدام الـ”فلاش باك” ـ العودة إلى الماضي- في مقدمة كل حلقة، مستعرضًا تمسك الجد بآرائه في تربية الأولاد، أو قلة ما يقدمه العم من عائد للمركب، أو تدخل الجدة في حياة البنت، أو إصرار الجد على تعليم الطفل لصنعة الحدادة صنعة الجد، أو حرمانه من رياضة كرة القدم التي يحبها.

بالتوازي نرى رفض الأم حنان لكل هذا وبعصبية شديدة، فهي ترفض الفكرة من الأساس، يظهر هذا في تعاملها مع موظف البنك حينما أردت فك شهادة استثمار كانت لولدها، أو في تعاملها مع موظف النيابة في المجلس الحسبي.

الأم ترى أنها أولى برعاية أبنائها وهذا حقها، ولكن كم أم تستطيع أن تكون مثل حنان إن تصورنا أن ما تفعله صحيحًا، فهذه الأم قامت بالاتفاق مع شخص لسرقة المركب من الوصي، وأيضًا من رقابة المجلس الحسبي على الصرف.

هنا نشير أن المجلس الحسبي ليس خصمًا لها، والأم ذاتها تتعامل خارج القانون مع شخص آخر لتزوير بطاقة رقم قومي لها، وفي أحد المشاهد تقول إنها ستعيد المركب حين تدفع نقود التزوير، ولا يقول لنا المؤلف لماذا تقوم بتزوير البطاقة أصلًا وهي ستعيد المركب؟ وإن كانت في غنى عنه فلماذا سرقته؟ هل هذا التفكير وتلك السيدة التي تجهل القانون، والتعامل مع جهات القانون قادرة على إدارة حياة أولادها؟

نعم قد يكون الجد متعنتًا وعقليته لا تتماشى مع عصر يصبح محمد صلاح أملًا لأطفال وشباب كثيرين، ومع جيل يرى العلم أهم من الصنعة، ولكنه يرى من خبراته ذلك، من الممكن التفاهم معه ومحاولة إقناعه بالجديد الذي يرفضه، الغريب أن الأم لم تحاول قط في ذلك، بل تمادت في تصرفات عنترية حين اختطفت أحد رجال العم الذي شهد زورًا عليها وكادت أن تقتله في البحر لتغيير شهادته، نعم هو شهد وزرًا لكنها لم تستطع أن تقدمه للقانون بهذه التهمة.

نماذج أخرى خارج الدراما

يحاول صناع تحت الوصاية بخلطة درامية متميزة جدًا أن يصلوا إلى أن ولاية الجد على الأولاد القصر كارثة كبيرة، وذلك من خلال الحالات كلها التي وجدت في العمل، فكل النساء اللاتي تقابلهن حنان البطلة في المجلس الحسبي يعانين من ولاية الجد -الوصي- على أولادهم، ولم يقدم العمل نموذجًا واحدًا لسفه الأم أو أخطائها في التعامل مع ميراث أبنائها، وقد وصل بالبطلة الأمر إلى حرق المركب الذي هو ميراث أولادها ومن ثم فقدها له، هذا كله لأنها لم تجد وسيلة تفاهم مع الجد، أو شكها في سرقة العم لبعض إيراد المركب.

لم يجنح صناع تحت الوصاية لنموذج جد تنازل طواعية عن إدارة أموال أو ميراث ابنه لأمهم حين يثق فيها، أو عائلة احتضنت أبناءها محافظة عليهم، بل احتضنت الأم ذاتها، فكما هناك جد متعنت وصارم في تفكيره ومن هؤلاء كثيرون، هناك على الجانب الآخر نماذج أكثر إشراقًا منهم، وكما أمهات كثيرات استطعن أن يقدمن نماذج عظيمة في تربية أبنائهم، هناك من بددن وأسرفن في مال الأولاد، بل أنهم قدمن هذه الأموال والميراث لرجال غرباء سواء تزوجن بهن، أو استولوا على أموالهم وهربوا.

أثار العمل الدرامي نقاشًا اجتماعيًا قانونيًا وشرعيًا كثيرًا في المجتمع المصري والعربي، وهذه واحدة من أهم مهام العمل الدرامي أو الفكري والثقافي، لكن الدراما بنجومها وقصصها وجودتها وبقدراتها على الوصول للجميع تصنع هذا أكثر، هناك من الأبناء من يدافع عن العمل وانحيازه للأم، وكذلك من الأمهات اللاتي مررن بتجارب مشابهة، وهناك الكثيرون عكس ذلك، قانونيون يرون جرائم ارتكبتها وتستحق عقابًا، وكان الأجدى لها أن تلجأ لمراكز القانون لإثبات تعنت الجد وأفعال العم، وهناك من يرى عوار قانوني يجب معالجته كل هذا يجعلنا أمام عمل درامي مميز نصًا وإخراجًا وأداء دراميًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان