عندما تكون الانتخابات إهدارا للمال العام

في معظم بلدان العالم الثالث، قد تصبح الانتخابات بكل أنواعها -ونحن ندري أو لا ندري- إهدارا للمال العام، وإهدارا للوقت، وإهدارا للجهد، فضلا عن أنها أيضا تغييب للوعي، وتزييف للتاريخ، وتحصيل حاصل، وتهدئة للرأي العام الداخلي، ورسالة إلى العالم الخارجي، والتفاف على المنظمات الدولية، وإطالة لأعمار الأنظمة الدكتاتورية، وكسب للوقت، وتأجيل للأزمات، وترحيل للصدام، باختصار: تخدير للشعوب، أو إن شئت قُل: استخفاف على قاعدة {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.

في مثل هذه الأنظمة، هناك كل أنواع الانتخابات، محلية، برلمانية، رئاسية، نقابية، انتخابات أخرى للأندية الرياضية والاجتماعية والجمعيات والشركات والهيئات، بما تصل تكلفته المالية إلى أرقام تنوء بحملها ميزانيات هذه الدول، إلا أن هناك إصرارا غريبا على استمرار هذا السلوك الهزلي، ذلك أن نتائج هذه الانتخابات وتلك تكون معلومة سلفًا، وقد يكون هناك مرشحون (كومبارس) في بعضها، تختارهم الأنظمة، بهدف اكتمال الشكل الديمقراطي، دون أي اعتبار للأزمات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها هذه الدول بشكل عام.

فرصة للترزق

الشعوب المغيبة في مثل هذه الحالات تعيش الحالة من أوسع أبوابها، البعض يعتبرها فرصة للترزق، للتكسب، للانتهازية، استغلال المرشحين الأكثر تغييبًا في بعض الحالات، ينفقون دون سقف محدد أموالا باهظة هنا وهناك، في معظم الأحوال يكون مصدرها غير موثق أو حتى غير موثوق به، تصبح الانتخابات بمثابة موسم حصاد تنتظره نسبة ليست قليلة من الناس، ومن الطبيعي أن تستغل الأنظمة الدكتاتورية مثل هذه الأوضاع، الشعوب والأنظمة معًا في حالة انسجام وتوافق حول الهراء، وربما الفساد، لا طرف يمكنه المزايدة على الآخر.

عشرات السنين تمر دون تغيير يذكر، دون أي تقدم من أي نوع، هناك دول كثيرة ازدادت تخلفًا بمرور الوقت، الشعوب أصبحت تتباكى على الماضي، تتحسر على ما يطلقون عليه الزمن الجميل، تنشد العودة إلى عصور ما قبل الفساد، عهود ما قبل الدكتاتورية، المقارنات دائمًا تأتي في صالح الماضي حتى لو تعلق الأمر بانتخابات، حتى لو تعلق بحقوق الإنسان، المساجين كانوا أقل عددًا، السجون كانت أقل عدة، التصنيف لم يكن شائعًا، الإقصاء لم يكن حالة عامة، الظلم لم يكن مميكنًا ومبرمجًا، بالمصادرة تارة، والمنع من السفر تارة أخرى، والحظر والعزل تارة ثالثة.

على عكس التطور الحاصل في العالم من كل الوجوه، بلدان الشرق الأوسط تحديدا “محلك سر”، بل ما هو أكثر من ذلك، الأمر يزداد سوءًا، يزداد تخلفًا، أصبحت كلمة الانتخابات قرينة التدليس، قرينة سد الخانة، ربما سد الحنك، إغلاق ذرائع التدخلات الخارجية والأبواق الخارجية، مرافق كثيرة في حاجة إلى كل ما ينفق على هذه الانتخابات أو تلك، الجمعيات الخيرية تتوسل التبرعات، الفقراء حدِّث ولا حرج، المرضى كذلك، المستشفيات، المدارس، العشوائيات إلى آخر قائمة كبيرة من احتياجات المجتمع واحتياجات الدولة الرسمية على حد سواء.

يلدغ المواطن من جحر مرات

من المهم الاعتراف بهذه الحقيقة المُرة وعدم المكابرة إذا أردنا صالح المجتمعات العام، إما أن تكون هناك انتخابات حقيقية حُرة تعبر عن إرادة الشعوب بالمقاييس الدولية والأممية المتعارف عليها، أو لا تكون هناك انتخابات، ولا حتى شبه انتخابات كما يحلو لبعض الأنظمة أن تفعل تحت عناوين زائفة تتعلق بالإشراف القضائي، أو حتى الدولي الذي يمكن تزييفه هو الآخر ما دامت إرادة الإصلاح غير متوافرة.

الغريب في الأمر أن المواطن يُلدغ من الجُحر مرات ومرات، أو حتى عشرات ومئات المرات فيما يتعلق بهذه الألاعيب دون أن يتعظ، أو حتى دون أن ييأس. هذه المرة يشارك بالترغيب والوعود، مرة أخرى بالترهيب والوعيد، وربما كانت الأنظمة، وخاصة الدكتاتورية منها أكثر سيطرة على العقول، وأشد بأسًا وتنكيلًا بمن تراودهم أفكارهم باتجاه المقاطعة أو مجرد المعارضة، إلا أن الوطن كل الوطن يظل يسدد فواتير كبيرة من الفقر والجهل والفساد نتيجة ما يجري، تركة مثقلة بالديون تظل تهدد تلك الأوطان عشرات السنين وربما مدى الحياة، وهكذا دواليك، المهزلة مستمرة!!

إهدار المال العام أيها السادة لا يتعلق فقط بالإنفاق على طرق لا جدوى منها، أو منشآت لا قيمة لها، أو حتى مشروعات لا طائل من ورائها، أوجه الإهدار كثيرة ومتشعبة، قد تكون في مقدمتها مثل تلك السلوكيات الشكلية التي ينحاز إليها البعض وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعًا، وهو الأمر الذي كان يجب التوقف أمامه مع انتشار الوعي والتعليم بشكل عام، ومع تعدد مواسم التدليس والتزوير بشكل خاص، التي أصبحت أمرًا طبيعيًّا في حياة مثل هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

في الدراما كما في الحياة العامة، يمكن الاستغناء تمامًا عن دور (الكومبارس) أو عن الأدوار الثانوية عمومًا، والاعتماد على الأدوار الأصيلة والأساسية، ولكن لا يمكن التقدم أو التطور من خلال أي عمل حقيقي أو تخيلي قوامه الأدوار الثانوية فقط، لا تستقيم الأوضاع مع رئاسات مصطنعة، حكومات ثانوية، برلمانات كوميدية، نقابات هامشية، مؤسسات صورية، فما بالنا إذا كانت هناك بلدان تعيش هذه الحالة مجتمعة، في ظل ما يحلو للبعض أن يطلق عليه انتخابات واستفتاءات وديمقراطيات، وترصد في سبيل ذلك المليارات، على الرغم من أن هناك من ينشد الفتات.

أعتقد أننا أمام أكذوبة كبيرة، من المهم التعامل معها بحكمة وضمير ليس أكثر، دعهم يترشحون، وينتخبون، ويحكمون أنفسهم، ويفشلون، سوف تكون مقاعد المتفرجين أكثر فاعلية من طوابير المشاركين الهزلية، سوف يلعب الكاريكاتير الساخر دورًا أكثر فاعلية من الإعلام السطحي، سوف تكون ردود الشارع أكثر تأثيرًا من القوة الباطشة، إنه العد التنازلي الطبيعي لمن لا يؤمنون بحقوق المواطنين، لمن لا يعتبرون بالتاريخ، لمن تأخذهم العزة بالإثم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان