ليته حُلم بمصر أخرى!

الأحد الماضي، ساعة كتابة هذا المقال، اشتريت كيلو السكر بـ20 جنيهًا، قبل عام، وفي رمضان الماضي، تجولت في معرض (أهلًا رمضان)، وتبرمت من ارتفاع أسعار السلع رغم أن هدف المعرض هو البيع بأسعار مخفضة عن البقالات، كيلو السكر وقتها كان يتراوح بين 9 و10 جنيهات، الزيادة مضاعفة في غضون عام واحد، والوضع أصعب مع الأرز، سعر الكيلو بين 26 و28 جنيهًا، والمدهش أن مصر منتجة للسلعتين؛ السكر والأرز، فلماذا تشتعل أسعارهما، وهما من السلع الضرورية لكل بيت؟
حلم بعيد المنال
وإذا كان الأمر كذلك لسلع يُفترض أنها تُزرع وتُنتج بوفرة في مصر، فماذا عن السلع المستوردة، ومنها الزيت الذي وصل سعر اللتر منه إلى 65 جنيهًا، وزيت الذرة 80 جنيهًا، والزيادات غير طبيعية في الزبدة والأجبان ومختلف منتجات الألبان، والشاي تضاعف سعره في غضون أسابيع قليلة، وأمل ثبات الأسعار، ولو لأيام أو أسبوع، بات حلمًا بعيد المنال حتى في علبة الكبريت وإبرة الخياطة؟
الثلاثاء الماضي، كتبت هنا أن سعر طن حديد التسليح يلامس 40 ألف جنيه، بعد أسبوع واحد فقط قفز ليقترب من 44 ألف جنيه، وفي مواد البناء الأخرى هناك زيادات متتالية، وهكذا في كل شيء، لهذا لم يعد هناك بيع آجل، أو تدفع مبلغًا من ثمن أي بضاعة ثم تسدد الباقي وفق الاتفاق مع البائع، اليوم السعر لحظي، مرتبط بوقت الشراء، لأنه متغير، يمكن أن تخرج من باب المتجر فتعود لتجد نفسك أمام سعر جديد، والزيادات المستمرة في الأسعار بسبب أن الصناع والتجار والمستوردين يحددون القيم السعرية وفق أسعار الدولار خارج البنوك، وهو يقترب من 40 جنيهًا للدولار الواحد، إن لم يكن زاد، هناك انفلات أو فوضى في الأسواق والأسعار.
الاكتفاء الذاتي
قبل رمضان بأيام، اشتريت كيلو اللحم البلدي الطازج بـ230 جنيهًا، ارتفع إلى 260 جنيهًا حاليًّا، وهو في طريقه ليغلق الـ300 جنيه، ربما مع عيد الفطر.
أعلم أن السعر يتجاوز 300 جنيه في القاهرة وبعض المدن، وزيادة الأسعار في اللحوم البلدية تتم بوتيرة متسارعة، واللحوم المستوردة الطازجة والمجمدة تلاحق المحلية في ارتفاع أسعارها هي الأخرى، وهي لم تؤثر على سوق اللحوم البلدية، واللحوم القادمة من تشاد لا نجد أثرًا لها رغم الدعاية التي صاحبتها، والاستيراد مرهق ومكلف، وليس حلًّا، فهو بحاجة إلى عملات صعبة غير موجودة أصلًا، والبديل المعروف هو الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي في اللحوم والدجاج والقمح والشعير والفول والعدس واللوبيا والفاصوليا وكل السلع والحبوب.
ومصر بلد زراعي بالأساس، وتربية الماشية مقرونة بالزراعة، فكيف يصل بنا الحال إلى التأخر في الزراعة واستيراد ما يمكن زراعته وتوفيره بسهولة، وكيف يصل ثمن كيلو الدقيق إلى 18 جنيهًا، ورغيف المخبز 3 جنيهات، والرغيف المخبوز في البيت 4 جنيهات، بينما في زمن يوسف النبي أنقذت مصر نفسها وجيرانها من المجاعة بالقمح الذي زرعته وخزنته.
هذا الوضع المؤلم بسبب أن خطط التنمية الحقيقية لم يتم وضعها بعد، ولأن واضعي السياسات ومنتجي الأفكار منعزلون عن الواقع والمجتمع، ولأن المشروعات الحالية لم يكن لها ضرورة عاجلة، ولا هي تحقق عوائد، ولا تطعم أو تعالج أو تبني إنسانًا، ولا هي جذبت استثمارات خارجية، أموال ضخمة من المساعدات والودائع والديون وموارد الداخل أُنفقت في غير ما كان يجب إنفاقها فيه، والنتيجة أزمة اقتصادية عنيفة.
تراجع القوة الشرائية
سألت بائع الدجاج: كم وصل سعر الكيلو عندك اليوم؟ قال: 79 جنيهًا، وحركة البيع عنده بطيئة، وهكذا الوضع عند تاجر الحبوب، وفي المتاجر عمومًا تتراجع القوة الشرائية بشكل واضح.
قال لي أحد الأشخاص إن الكتكوت ثمنه الآن 25 جنيهًا، بعد أن كان بجنيه واحد فقط، وكنتَ إذا اشتريت عددًا كبيرًا يهديك البائع بضعة كتاكيت مجانًا.
ومنذ مدة قصيرة، قام أصحاب مزارع تربية دجاج بإعدام الكتاكيت بسبب عدم وجود علف لإطعامها، مكونات العلف تشمل ذرة صفراء وبيضاء ونخالة قمح وفول صويا وأرزًا وحبوبًا وغيرها من المواد والمحاصيل، وبعض هذه المكونات مستورد، وظلت في الموانئ رسائل منها وكانت بحاجة إلى تسديد أثمانها بالعملات الصعبة للإفراج عنها، ولم يكن الدولار متوافرًا بما يكفي للإفراج عن رسائل كثيرة من مختلف السلع والمكونات والمواد الخام اللازمة للإنتاج.
ورغم أن الحكومة ظلت تبشرنا بمواصلة تدبير الدولار والإفراج عن الرسائل المخزنة فإن الأوضاع لم تتحسن، فهناك بضائع وسلع غير متوافرة، وهناك ارتفاعات في الأسعار، فالدجاج البرازيلي الذي حاز استيراده ترويجًا واسعًا لم يغيّر من أسعار الدجاج المحلي شيئًا يُذكر.
والبيض لا يزال قصة ألم، كان الجيران يهدونه لبعضهم بعضًا، وكان بروتينا رخيصًا، ولم يكن أحد يفكر في سعره وهو يشتري الطبق بجنيهات قليلة، اليوم بات خارج القدرة الشرائية.
فوق طاقة الناس
وبالتبعية ترتفع أسعار الأسماك الطازجة والمجمدة، كيلو المكرونة بلغ 70 جنيهًا، في سنوات سابقة كان يتم التدليل عليها، وكانت طعام الفقير لرخص ثمنها، أما اليوم ربما باتت فوق طاقة شرائح من الناس.
وسمك البلطي فوق 85 جنيهًا للكيلو، رغم أن مياه مصر بيئة مناسبة لنموه وتربيته بكميات كبيرة، أي يجب أن يكون رخيصًا، وقبل سنوات تم افتتاح مزارع أسماك، وتأملنا خيرًا بأن السمك سيتوفر بكميات كبيرة وسيكون سعره في متناول الجميع، إنما حصل العكس.
هذه السطور مجرد لمحة خاطفة عن قصة جنون الأسعار في بلد لم يشهد مثل هذا الأمر من قبل، لهذا هدّأت من روعي، وقلت لنفسي: ربما أحلم بأنني أعيش في بلد آخر اسمه مصر، لكن على كوكب آخر غير كوكب الأرض!
