فليكن رمضان فرصة لتغيير حياتنا

 

(1) رمضان الذي نعرفه

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. هذه الآية الكريمة من سورة البقرة تدل على أن الصوم من العبادات التي سنها الله من قبل الإسلام، وأن الغرض منه تقوى الله، ولقد كبرنا على أن للصوم عشرات الفوائد منها ما هو روحي: سمو النفس عن الشهوات، وتقوية الإرادة، وترقيق المشاعر الإنسانية حين يستشعر الصائم الجوع فيزيد لديه الإحساس بالفقراء وعوزهم؛ مما يدفعه إلى مدّ يد العون لهم في رمضان وبعده.

وله كذلك فوائد صحية أثبتتها الدراسات العلمية؛ فالصيام المتقطع له فوائد عظيمة سواء لأصحاب الوزن الزائد الذين يرغبون في خفض أوزانهم أو لغيرهم ممن يعد الصيام لهم فترة صيانة للجسد يتخلص فيها من السموم ويعزز وظائف الجهاز المناعي، كما يتم تحسين التحكم في سكر الدم ومستويات الكوليسترول.

لكن رمضان الذي نعيشه غير الذي حدثونا عنه، فنحن نسرف في تناول الطعام طوال الشهر الكريم، وبهذا نجرد الصيام من مزاياه، وبدلا من أن يكون فترة يتمرد فيها المسلم على عاداته السيئة ويتحول إلى عادات أفضل نجد العكس، حيث يكتسب عادات أسوأ، ليس فقط في استهلاك الطعام بإفراط، بل أضف إلى ذلك تحول رمضان إلى كرنفال للدراما التلفزيونية والبرامج الترفيهية السطحية والخيم الرمضانية وكلها تحولت إلى طقوس رمضانية لا غنى عنها!!.

وكما تصاب الأجساد بالتخمة من كثرة الطعام تصاب العقول أيضا بها جراء كثرة ما تتعرض له من محتوى ترفيهي عبثي، الكثير منه يتعارض مع قيم ديننا الحنيف، ليتحول رمضان من شهر للتقشف والزهد والتطهر النفسي والصفاء العقلي إلى شهر للشراهة بكافة أنواعها.

لكن حمدًا لله، فما زالت هناك بعض الطقوس الرمضانية الجميلة، مثل كثرة الصدقات في الشهر الكريم، والحرص على صلاة التراويح والتهجد، وتلاوة القرآن وختمه في رمضان، وهو ما يعيد الصلة بين كتاب الله وعباده في الشهر الكريم بعد أن يظل مهجورا على الأرفف طوال شهور السنة تقريبا.

(2) رمضان الذي لا نعرفه

راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات.

راقب كلماتك لأنها ستتحول إلى أفعال.

راقب أفعالك لأنها ستتحول إلى عادات.

راقب عاداتك لأنها تكون شخصيتك.

راقب شخصيتك لأنها ستحدد مصيرك.

هذه العبارات تستخدم كثيرا في برامج التنمية البشرية وتعطي أهمية كبيرة للعادات التي نكتسبها لأنها تحدد شخصيتنا ونمط حياتنا واختياراتنا عن طريق اللاوعي نتيجة التعود عليها. الدراسات النفسية تؤكد إمكانية تغيير الشخصية بخلق عادات جديدة نستبدل بها العادات القديمة، والتخلّص من العادات السيئة وبناء عادات جديدة يتم عند معظم الناس خلال 22 يوما فقط، ولقد أصبح ذلك قاعدة علمية مُعتمدة في علم النفس والتنمية البشرية، والعادة الجديدة المُكتسبة تتحول إلى أسلوب حياة طبيعي بعد 90 يوما فقط من الاستمرار عليها.

شخصيتنا وطباعنا يمكن تغييرها باكتساب عادات جديدة والاستمرار عليها حتى تصبح أسلوب حياة، وأنت صانع التغيير بإرادتك ولقد ذكرنا الله بذلك: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، تغيير ما في النفس يأتي أولا بتغيير الأفكار التي تتحول إلى أفعال ثم تتحول إلى عادات. يهبنا الله كل عام فرصة للتغيير في رمضان، تقوى الله تستلزم مراقبة النفس وتأمّل الذات لمعرفة نقاط ضعفنا التي تجعلنا نسقط في المعاصي وتبعدنا عن الصراط المستقيم، والبداية من الأفكار التي تجول بخاطرنا؛ إذ يمكن أن ندرب أنفسنا على التحكم فيها ونبذ الخبيث منها والتمسك بالطيب وتحويلها إلى أفعال ثم عادات.

رمضان شهر العطاء والخير، ويمكن أن نحوله إلى فرصة للخروج من حيز الأنانية الضيق إلى براح العطاء، وهذا الأخير مثل بئر الماء المبارك كلما أخذت منه زاد وفاض. رمضان يمكن أن يكون فرصة متجددة لنغير ما بأنفسنا، ليكتسب الغاضب بعضا من عادات الحليم، والمتهور بعضا من عادات المتأني، والحريص بعضا من عادات الكريم، والجبان بعضا من عادات الشجاع… إلخ. معظم سلوكياتنا في الحياة عبارة عن عادات مكتسبة من البيئة التي ترعرعنا فيها، وليست قدرا كُتب علينا لا يمكن تغييره أو استبداله، يمكنك أن تكون ما تريد لو أردت، وهذا ما يريده الله لنا حينما وهبنا حرية الاختيار، والعبادات عادات لتدريب أنفسنا وتحسينها.

الإسلام دين الجماعة، ومن المهم أن يدرك المجتمع المسلم كيف يستفيد من فرصة رمضان للتغيير إلى الأفضل بتهيئة الظروف لذلك، ودعم بعضنا بعضا لنبذ العادات السيئة واكتساب عادات جديدة أفضل.

كل رمضان وكل المسلمين في جميع بقاع الأرض بخير.. اللهم اجعل لنا رمضان نورا يضيء حياتنا بخير الكلام وخير الأعمال.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان