لماذا يعمل الغرب على إخفاء الإنجازات الحضارية للأمة العربية؟!

مؤلفة كتاب شمس العرب تشرق على الغرب

 

دراسة تاريخ الاستشراق، وما أنتجه المستشرقون خلال القرون الثلاثة الماضية توضح حرص الغرب على إخفاء الإنجازات الحضارية التي قدمها العرب للبشرية، وشكّل ذلك ظلمًا للعرب أكثر تأثير من جرائم الإبادة التي ارتكبها الغرب ضدهم.

لقد تمكن العرب من تقديم الكثير من الإنجازات الحضارية التي يمكن أن تشكّل أساسًا لبناء صورة إيجابية في أذهان الجماهير في أنحاء العالم كله، لكن الغرب عمل على تجهيل الشعوب، وإخفاء تلك الإنجازات ليبرر استعماره وقسوته وظلمه وجرائمه، وليتمكن من إدارة صراعه مع العرب خلال القرنين الماضيين.

هونكه تقدم تفسيرًا جديدًا!

تشكل المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه نموذجًا متميزًا للالتزام بالبحث عن الحقيقة، والشجاعة في إعلانها، لذلك واجهت حملة ظالمة من وسائل الإعلام الغربية بعد صدور كتابها: “شمس العرب تشرق على الغرب” حيث اتهمتها هذه الوسائل بالتحيز للعرب، لكن تلك الوسائل لم تمتلك الشجاعة والحرية لتكشف حقيقة تحيّز المستشرقين ضد العرب، وإخفاء الحقائق عن فضل العرب على الحضارة الإنسانية، ودور النظام الإعلامي العالمي في خدمة الأهداف العنصرية والأيديولوجية والاستعمارية الغربية.

ولأن زيجريد هونكه تعرف ما سوف تتعرض له من هجوم غربي، فقد حرصت على الالتزام بالموضوعية، واستخدام الأدلة العلمية في البرهنة على صحة ما توصلت له دراستها التي بذلت فيها الكثير من الجهد خلال سنوات طويلة، لكنني أرى أن العدالة والشجاعة أهم ما تميزت به، فأعلنت بكل وضوح: “أن الوقت قد حان للتحدث عن العرب الذين أثروا بقوة على مجرى الأحداث العالمية، ويدين لهم الغرب، كما تدين لهم الإنسانية بالشيء الكثير”.

وفي مقدمة كتابها تخاطب العرب بقولها: إن الناس عندنا لا يعرفون إلا القليل عن جهودكم الحضارية الخالدة، ودورها في نمو حضارة الغرب، وإنها أرادت أن تقدم الشكر للعرب على فضلهم الذي حرمهم منه طويلًا: “تعصب ديني أعمى أو جهل أحمق”.

تفسير صحيح.. لكنه ناقص!

تفسير هونكه لعملية تزييف التاريخ لإخفاء فضل العرب على الحضارة صحيح، فالتعصب الديني الأعمى لعب دوره في تشويه صورة العرب الذين استطاعوا أن يهزموا الحملات الصليبية، لذلك استخدمت أوربا قوتها الغاشمة في إبادة العرب في الجزائر، وحرق قراهم ومزارعهم، ونهب ثرواتهم، وكان التعصب الديني واضحًا، حيث ناشدت فرنسا الدول الأوربية باسم المسيحية: أن تمدها بالأسلحة والجيوش، وكان من الواضح أن الرغبة في الانتقام يحكم سلوك الجنود الأوربيين، كما قام الغرب باستخدام وسائل إعلامه في تزييف وعي الشعوب الغربية وتجهيلها وتضليلها وحرمانها من معرفة الإسلام.

وهذا يوضح دور “الجهل الأحمق” الذي صنعته وسائل الإعلام الغربية، فالإنسان عدو ما يجهل، ولذلك لم تقم هذه الوسائل بوظيفتها في الوفاء بحق الجماهير في المعرفة، وعملت على إخفاء الحقائق.

لم نكن ساعي بريد!

تقول زيجريد هونكه: إن الدور الوحيد الذي اعترف الغرب للعرب به: هو أنهم نقلوا كنوز الإغريق إلى الغرب، فهذه هي العبارة الوحيدة التي يحاول فيها المستشرقون –كذبًا أو ادعاء– تقريظ ما أسداه العرب لأوربا، وهي تحدد للعرب في الواقع دور “ساعي البريد” فقط، فتقلل من قدرهم حين تطمس الكثير من الحقائق وراء حجب النسيان.

لذلك تطالب زيجريد هونكه: “بأن تأخذ العدالة مجراها، لترد الإنسانية حقوق شعب سبق أن حرمه التعصب الديني كل تقدير موضوعي، وحط من قدر أعماله الفائقة، وحجب النور عما قدمه لحضارتنا، بل وغله بصمت الموت”.

هذا التعبير الذي استخدمته زيجريد هونكه يوضح أنها تعرف جيدًا معنى الظلم الذي تتعرض له الأمة العربية بتشويه صورتها، وتزييف تاريخها.. إنه بالفعل كما تصفه “صمت الموت”، فالغرب يريد قتل عوامل الفخر التي تشحذ الهمم لبناء المستقبل، وتحقيق الانتصارات والقيام بدور حضاري جديد.

العرب وبناء المستقبل!

تقول زيجريد هونكه: لعل مصيرنا سيتعلق بمصير العالم العربي الذي سبق له أن غيّر يومًا صورة عالمنا بشكل جذري! وهذا يشكل إضافة تسهم في بناء تفسير متكامل لعملية إخفاء الحقائق عن الإنجازات الحضارية العربية، فالغرب لا تحكمه فقط عقد الماضي الذي يدفعه للانتقام، لكنه يخاف من المستقبل أيضًا، فالأمة العربية يمكن أن تقدم للعالم مفاجأة تاريخية جديدة، عندما تدرك وظيفتها الحضارية ورسالتها، وتستعيد الثقة بذاتها وبقدرتها على القيام بدور الفاعل في بناء عالم جديد.

لذلك يحاول الغرب غرس عقدة الدونية في نفوس العرب حتى لا يتطلعوا مرة أخرى إلى استعادة مجدهم، والقيام بدورهم الحضاري التاريخي في قيادة الشعوب للكفاح ضد السيطرة الاستعمارية، ونهب الغرب لثورات الشعوب، لذلك يساند الغرب النظم الاستبدادية ليمنع الأمة العربية من فرض إرادتها، وبناء نظم تعبر عن أشواقها للتحرر، وتوظيف ثرواتها المادية والبشرية لبناء المستقبل.

لكن هل الأمة العربية تملك القدرة على ذلك؟! تقديم إجابة مبدعة عن السؤال هو نتيجة قراءة متعمقة لتجربة تاريخية تتميز بالثراء، يمكن أن تنتج معرفة تشكّل أساسًا لبناء القوة العلمية والمعرفية، وتأهيل شباب يملأ الفخر نفوسهم بما قدمته الأمة من إنجازات حضارية، وتشتاق نفوسهم للقيام بدور حضاري جديد.

أما الواقع فإنه رغم قسوته إلا أنه يمكن أن يقدم لنا الكثير من الفرص في عالم يتغير بسرعة، وتشتد فيه حاجة الشعوب المقهورة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية بديلًا للرأسمالية التي أفقرت الشعوب ونهبت ثرواتها.

لذلك يستخدم الغرب الوسائل كلها لحرمان الشعوب الغربية من معرفة الإسلام، وتزييف التاريخ لتضليل الجماهير وتجهيلها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان