سلطات الصين: إلحاد الآباء شرط دخول الأطفال للمدارس!

ندوة جامعة جورج تاون

أمرت السلطات الحكومية بمدينة وينتشو شرقي الصين أولياء الأمور المتقدمين بطلبات لإلحاق أبنائهم بمرحلة رياض الأطفال، أن يوقعوا على تعهد بأنهم” ملحدون” كشرط مكتوب ضمن أوراق القبول بالمدارس للعام المقبل. ذكرت وكالة الأنباء الكاثوليكية، وثيقة الصلة بالفاتيكان في 23 مارس الماضي، النبأ الذي تلقفته صحف غربية عديدة، مؤكدة أن السلطات المحلية تجبر الآباء على توقيع تعهد بالتخلي عن عقيدتهم، وأنهم لا يعتنقون دينا، ولا يشاركون في أية أنشطة دينية، أو ينشرون دينا محددا بأي مكان، وأن ولاءهم الوحيد للحزب الشيوعي الصيني. رصدت منظمة China Aid، في تقرير مماثل نهاية مارس الماضي، إجبار قادة الحزب الشيوعي مواطني منطقة لونغوانغ على توقيع التعهد، واعتبرتهم “قوميين ملحدين”، يشوهون الأديان والعقائد غير الماركسية اللينينية.

أنت ملحد فأنت صيني

الإلحاد مبدأ حزبي يفرضه الحزب الحاكم على أعضائه منذ نشأته، على غرار كافة الأحزاب الشيوعية بالعالم، بذلك أخبرني أصدقائي الصينيين عندما أبديت تحفظي على إقدام مسؤولين كبار بالحزب من المسلمين على شرب الخمر بنهم، واصرارهم على مشاركة ضيوفهم العرب والمسلمين بقرع الكؤوس مثلهم، بعلة أن قليلا من الخمر لا يضر!

يحدد الدستور حرية الفرد لاعتناق دين ما عند بلوغه 18 عاما، وبعد سن العشرين لا يمكن تغيير الديانة بالرقم القومي، مع ذلك ينقلب الحزب الشيوعي على تشريعاته، بسرعة هذه الأيام.

أصبح الاضطهاد الديني داخل الصين محل اهتمام المجتمع الدولي، وبينما تَنُصر بعض الدول المسلمين هناك، يخذلهم أشقاؤهم العرب، وأدى تفاقمه عن الحد إلى تحوله لقضية مركزية، استلزمت تتبع ممارسات الحزب الشيوعي، لإجبار مواطنيه على الالحاد، منذ بضع سنين، من أصحاب الأديان والثقافات المختلفة عن قوميته الغالبة “الهان”.

الصينية لا تعرف المسيح

نظمت جامعة جورج تاون الأمريكية، ندوة موسعة في 3 أبريل الجاري، بمركز “بركلي للأبحاث” التابع لها، حول ” الدين والدولة والمجتمع في الصين، لمناقشة الدوافع التي جعلت من الحزب الشيوعي يضع ” الإلحاد” قضية أساسية، في مواجهة عنيفة مع الأديان والمؤمنين بأي عقيدة أخرى.

وصفت جوسلين سيزاري أستاذ كرسي الدين والسياسة بالجامعة، ومدير برنامج الإسلام في الغرب بجامعة هارفارد، حالة الاضطهاد للأديان بالصين بأنها” أمر طبيعي، حيث بدأ بالعهد الإمبراطوري، واستعاده الحزب الشيوعي الآن بقسوة”. تقول” سيزاري” بالمحاضرة التي شاركنا بها، عبر ” الفيديو كونفرانس”، إن الصين لم تعرف المسيح ولا الدين المسيحي قبل عام 1582، إلا بوصول أول إرسالية من الآباء” الجيزويت”، لم يجد الصينيون في رموزهم اللغوية كلمة موازية لمعني مسيحي، فظلت الديانة حبيسة المعرفة لدى النخبة، حتى بداية القرن العشرين. سادت المبادئ البوذية والطاوية والكونفوشية الحاكمة للأفكار الدينية، إلى أن دخلت الإرساليات الدينية، مع فترة الاستعمار، فخشيت السلطات من اندماج المواطنين في تلك العقائد، وأيقنت أهمية السيطرة على الدين، بهدف وضع الدولة فوق الجميع، وفرض اللغة الصينية والمبادئ الكونفوشية، لمنع أية ولاءات تتم خارج إطار الولاء للدولة القومية.

فزاعة انفصال الأقليات

تشير ” سيزاري” إلى استفادة الحزب الشيوعي من مبدأ الولاء للصين أولا، في بناء الأمة الصينية الجديدة، حيث جمع ممثلي الأديان، عام 1952، تحت إطار اللجنة الوطنية للقوميات، ليضمن سيطرة الدولة، على كافة الأنشطة البروتستانتنية والكاثوليكية والإسلام والبوذية والطاوية، والعرقيات المختلفة، من خلال تعامل براغماتي، يحافظ على الدين ووجود المتدينين تحت قبضة الدولة.

في إطار التزام الطرفين بدولة القانون، وقناعة الحزب الشيوعي بأن الدين مهم للنظام الاشتراكي، لم يصطدم أيهم بالوحدة الوطنية والأمن القومي. تؤكد ” سيزاري” أن ما يرتكبه الشيوعيون من اضطهاد عنيف حاليا مع الإيغور نابع من خوف تاريخي لدى النظام بأنهم أقلية مختلفة عرقيا ولغويا عن الأغلبية من الهان، يمكن أن تنفصل في يوم ما عن الدولة، وتدفعها للانهيار الذي وقع فيه الاتحاد السوفيتي بعد عام 1990.

يبدى جيمس مليوارد أستاذ تاريخ اللغة الصينية والتاريخ الاجتماعي لآسيا الوسطى دهشته من ملاحقة التدين داخل المجتمع الصيني ” المغرق ” في الثقافة الدينية، التي تحدد سلوكه اليومي، بداية من إيمانه بالظواهر الغريبة ووجود التنين، إلى إعداد الموائد ومعاملة الموتى، وهو أمر يدفع السلطة إلى التخوف من انتشار العقائد والأديان، كما انتشر الإسلام، والبوذية والمسيحية. ويؤكد خشية الصينيين من الإسلام لدى الايغور والبوذية في التبت، ومنغوليا، لأنهم يشعرون أن أرضهم لم تكن أرضا صينية، عبر التاريخ، بل محتلة في العصر الحديث بطريقة عسكرية استعمارية، وتريد تغيير اللغة والديموغرافيا، لإزالة أية مخاوف من الانفصالية في المستقبل.

أفكار الاستعمار

الحزب الشيوعي في رأي” مليوارد، لديه شعور استعماري، وغيرة من الولاء الذي تكنه أية جماعات محلية، حاضنة لأفكار أو زعمات خارجيه، وهو أمر دفعه إلى حظر واضطهاد جماعة” فالون غانع” الروحية ذات الأصول الصينية، عام 1997، لمجرد أنها جماعة منظمة تمارس الرياضة بحضور شعبي بالميادين، تتحدى سلطة الحزب الشيوعي.

يضيف: اضطهاد الشيوعيين لأصحاب الأديان مسألة سياسية بحتة، فلا يريد أية جماعة حاضنة للأفراد غيره، وما يفعله لفرض الإلحاد على الإيغور محاولة لطرح بدائل، يعلم أنها تتعارض مع الإسلام بشدة، لاجتثاث الولاء لدى جماعات مستغرقة بالصوفية، تمنح ولاءها لزعامات محلية، في أمر مشابه مع البوذية التي يدين أتباعها بالولاء لزعيمهم الروحي الداي لاي لاما، رغم هروبه من التبت التي احتلتها الصين عام 1949. ويشير إلى خشية الحزب من البروتستانت لأنهم متمردون على الكنيسة، ولديهم روح ثورية، ويخاف من الكاثوليك لأن ولاءهم الكهنوتي لبابا الفاتيكان، والسلفية الإسلامية لأن أتباعها يرفضون التصرفات العنيفة وغير المقبولة مع مسلمي الإيغور.

كان ملفتا أن يعتبر “هايون ما” أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة جورج تاون، والمنحدر من أصول صينية، ومن اسمه وسمته، ندرك أنه من مسلمي “الهوي” من قومية “الهان”، أن ما تفعله السلطات الصينية، انعكاس لشعور قوى بالقومية والولاء للصين، فإذا لم يتكلم الجميع الصينية ويؤمن بالكونفوشية لا يصبح مخلصا للدولة ولا مواليا للوطن.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان