قراءة في وثيقة السياسة الخارجية الروسية 2023

وقَّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة 31 مارس 2023، مرسوما يحدد فيه الاستراتيجية الجديدة للسياسة الخارجية الروسية، ومن بين أهم البنود التي تضمنتها الوثيقة الرسمية للاستراتيجية: أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المحرك الرئيسي والمصدر الأساسي للسياسة المعادية لروسيا وأكبر تهديد يواجه العالم وتطور البشرية، وسوف تستخدم روسيا الجيش لصد ومنع أي هجوم مسلح ضدها أو ضد أي من حلفائها، ستتعامل روسيا مع الدول الأخرى بالمثل.

وسوف تهتم روسيا على نحو خاص بتعزيز العلاقات والتنسيق بشكل شامل مع مراكز القوة العالمية الصديقة: الصين والهند، وترى أن المشروع الرائد بالنسبة لروسيا في القرن الحادي والعشرين هو تحويل أوراسيا إلى مساحة متكاملة يعمها السلام والاستقرار والازدهار، وتعرّف روسيا نفسها بأنها معقل العالم الروسي ومهد إحدى الحضارات الأصيلة التي تحافظ على التوازن العالمي، وتعد مكافحة “الروسوفوبيا” (رهاب الروس) في مختلف المجالات من أولويات السياسة الإنسانية لروسيا في الخارج.

ومن قراءة الوثيقة التي جاءت في 42 صفحة، مقسمة إلى 76 فقرة و6 أقسام، نجد التأكيد على إعادة تحديد الأهداف والأولويات على مختلف الأصعدة العالمية والإقليمية، تم التأكيد بوضوح على “أن روسيا تعتبر المسار الأمريكي المصدر الرئيسي للسياسة المعادية لروسيا والمخاطر على أمنها، والسلام الدولي القائم على التوازن والتنمية العادلة للبشرية”، وأن “روسيا لا تعتبر نفسها عدوًا للغرب، ولا تعزل نفسها عنه، وليس لديها نيات عدائية تجاهه، وتعوّل على إدراك الغرب عدم جدوى المواجهة معها، وقبول حقيقة تعددية الأقطاب، والعودة بمرور الوقت إلى التفاعل على أساس مبادئ المساواة في السيادة واحترام المصالح والقضاء على “أساسات الهيمنة” من جانب الولايات المتحدة والدول الأخرى غير الصديقة في الشؤون الدولية، واعتباره إحدى أولويات روسيا، إلى جانب اعتبار أن تكريس روسيا توجهاتها نحو تشكيل نظام عالمي يوفر أمنًا موثوقًا به، ويضمن تكافؤ الفرص بالنسبة إلى الجميع، مع التأكيد أن مساعي روسيا نحو تحقيق الأمن المتساوي لجميع الدول ستنطلق من مبدأ المعاملة بالمثل”.

كما أقرّت الوثيقة بعزم روسيا على إعطاء الأولوية للقضاء على بقايا هيمنة الولايات المتحدة وغيرها من الدول غير الصديقة على الشؤون العالمية ” وتهيئة الظروف لأي دولة للتخلي عن طموحات الاستعمار الجديد والهيمنة”، وتوفير الأمن لجميع البلدان على أساس المعاملة بالمثل، مؤكدة أن “روسيا ستسعى إلى ضمان الأمن لجميع الدول على قدم المساواة على أساس مبدأ المعاملة بالمثل”.

 

دوائر السياسة الخارجية الروسية

تناولت الوثيقة العلاقات الروسية الأوربية تحت عنوان “المنطقة الأوربية”، وليس “القارة الأوربية”، معتبرة أن “البلدان الأوربية تنتهج في معظمها سياسة عدوانية تجاه روسيا تهدف إلى خلق تهديدات لأمن الاتحاد الروسي وسيادته، والحصول على مزايا اقتصادية أحادية الجانب، وتقويض الاستقرار السياسي المحلي والقيم الروحية والأخلاقية التقليدية الروسية، وخلق عقبات أمام تعاون روسيا مع الحلفاء والشركاء”.

وأشارت إلى “أن المسار الاستراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها هو العامل الرئيس الذي يعقد تطبيع العلاقات بين روسيا والدول الأوربية”، فضلاً عن تعميقه خطوط الانقسام في المنطقة الأوربية من أجل إضعاف القدرة التنافسية لاقتصادات روسيا وأوربا وتقويضها والحد من سيادة الدول الأوربية وتكريس الهيمنة الأمريكية العالمية.

وفي هذا السياق نصت الوثيقة على أنه: “من أجل تكييف النظام العالمي مع واقع العالم متعدد الأقطاب، تعتزم روسيا الاتحادية توجيه أولوية الاهتمام لدعم التكامل الإقليمي ودون الإقليمي في إطار المؤسسات الصديقة متعددة الأطراف ومنصات الحوار والاتحادات الإقليمية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط”.

كما أعطت الوثيقة أهمية لسعي روسيا نحو تطوير الشراكة مع العالم الإسلامي فنصت على: “تعتزم روسيا الاتحادية توجيه أولوية اهتمامها إلى تطوير التعاون الشامل والقائم على الثقة مع جمهورية إيران الإسلامية، والدعم الشامل للجمهورية العربية السورية، فضلاً عن تعميق شراكة متعددة الجوانب وذات منفعة متبادلة مع جمهورية تركيا والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وغيرها من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، مع مراعاة درجة سيادتها ومواقفها البناءة في سياستها تجاه روسيا الاتحادية”.

وفي هذا السياق أكدت على أن: “يعتزم الجانب الروسي التعاون بنشاط مع جميع الأطراف المعنية من أجل تنفيذ مقترحات روسيا الاتحادية لضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج العربي. وترى موسكو أن تنفيذ هذه المبادرة هو خطوة مهمة نحو تطبيع مستدام وشامل للوضع في منطقة الشرق الأوسط”.

 

من السياسة الإنسانية إلى الحروب الوقائية

في إطار التوجهات الكبرى، أكدت الوثيقة على مفهوم “السياسة الإنسانية” المعنية بحماية ذوي الأصول الروسية وممارسة حقوقهم الثقافية دون تمييز، ومواجهة ما يعرف بـ “الروسو فوبيا”. وكانت الخارجية الروسية قد أصدرت وثيقة السياسة الإنسانية في 5 سبتمبر 2022 والتي يتسع تصنيف الروس على أساسها بين المواطنين بالخارج والناطقين باللغة الروسية في دول الاتحاد السوفيتي السابق.

كما أكدت على مفهوم “الحرب الوقائية”، أي استخدام القوة لصد أو منع أي هجوم على أراضيها وللدفاع عن حلفائها الذين تربطهم بموسكو اتفاقات أمنية مثل دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وكذلك لحماية المصالح الروسية في الفضاءات المختلفة ومنها المجال السيبراني والفضاء الخارجي مع الاتجاه المتزايد لعسكرتها كميادين للصراع الدولي، وهو ما يعيد التذكير باستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أصدرتها إدارة جورج بوش الابن عام 2002، بعد تعرض الولايات المتحدة لأحداث سبتمبر 2001.

كذلك أولت الوثيقة الروسية اهتمامًا كبيرًا بتطوير التكامل بين الدول الأوراسية ليعم السلام والاستقرار والازدهار باعتباره مشروع روسيا الرائد خلال القرن الحادي والعشرين، وتهتم بتخفيف التوترات الإقليمية (بين طاجيكستان وقيرغيزستان في آسيا الوسطى، وأرمينيا وأذربيجان في جنوب القوقاز ومناطق جنوب شرق آسيا وشمال وجنوب أفريقيا، ودول الكاريبي وأمريكا اللاتينية، حيث تُعرف روسيا نفسها بموجب الوثيقة، عضو دائم بمجلس الأمن وقوة رئيسية في النظام الدولي، تشارك بفعالية في المنظمات الحكومية الدولية، فضلًا عن امتلاكها قاعدة موارد ضخمة، وهي إحدى القوتين النوويتين الرئيسيتين في العالم، بجانب وجودها كفاعل حضاري رئيسي يحظى بالمسؤولية الدولية ممثلًا للعالم الروسي.

 

ماذا بعد الوثائق؟

في كثير من الأحيان لا يتم التعويل كثيرًا على الوثائق التي تصدر تحت ضغط أزمة، لأن صانع القرار أو الجهة التي قامت على إصدار الوثيقة في مثل هذه الحالات تكون مدفوعة بالضغوط الناجمة عن تداعيات الأزمة، كما حدث في استراتيجية 2002 الأمريكية التي تضمنت النص على ثلاثة مبادئ كارثية تمثلت في “مبدأ بوش” القائم على تقسيم العالم إلى معسكرين، الخير والشر، ومبدأ “الحروب الاستباقية” القائم على شن حرب ليس فقط ضد من يهاجم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، ولكن أيضًا ضد من يفكر في ذلك، ومبدأ “التدخلية الإجبارية”، والقائم على تدخل الولايات المتحدة دون إذن من أحد في أي نزاع ترى أنه يهدد السلم والأمن الدولي.

اليوم، تأتي وثيقة بوتين 2023، لتشير إلى بعض مبادئ وثيقة بوش 2002، ليس شرطًا أن تقود نفس المقدمات إلى نفس النتائج، ولكن الواقع الراهن، من وجهة نظري الشخصية أن درجة استقلالية روسيا في صنع سياستها الخارجية أصبحت على المحك، في ظل تنامي تأثيرات الصين على هذه السياسة، ورهان بوتين عليها لإنقاذه من الانهيار مع استمرار تداعيات الحرب الأوكرانية، وأن مثل هذه الوثيقة في هذا التوقيت تكون أقرب إلى التسويق السياسي لنظام يعاني من تحديات وجودية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان