العمر وكراكيب العقول والقلوب وخيانة النفس

"الكراكيب"

الكراكيب كلمة عربية فصحى تعني أشياء قديمة في البيت تتسبب في ازدحامه، ومن منا ليس في حياته كراكيب قليلة أو كثيرة تشغل حيزًا من عمره؛ تزعجه وتقلل من قدراته على التعامل الجيد مع الضغوط بأنواعها، وتحرمه من ملء حياته بما يسعده ويضيف إليها.

العمر هو مجموع ما نعيشه منذ ولادتنا وعندما نفلتره بأمانة؛ نكتشف أننا سمحنا بإضاعة جزء أو أجزاء منه في أمور كان يمكننا تجنبها وأننا شغلنا بعض أعمارنا بما يضرنا بأيدينا وقمنا بوعي أو بدون وعي “بخيانة” أنفسنا. والخيانة هي التصرف بما يخالف الثقة وعدم الأمانة وتعمد فعل ما يؤذي.

جميعنا نحتفظ في عقولنا وقلوبنا ببعض الكراكيب في الأفكار والتصرفات والذكريات التي نتركها عمدًا في أعمارنا لتتسلل “بخبث” وتنتشر وتتوغل وتتكاثر بشراسة “وتلتهم” حقوقنا في النهوض بحياتنا إثر الكبوات أو الأزمات أو المنغصات ولا حياة في الكون تخلو من ذلك من وقت إلى آخر.

ازدحام وحرمان

تؤثر الكراكيب في البيوت بالسلب على حياة أصحابها؛ فتضيق المساحات وتتسبب في الازدحام الذي يمنع البراح الذي ينعش النفس ويوجد البهجة ويسهل الحركة ويمنح أصحابه الاستمتاع بتفاصيل الجمال في البيت، و”تجهض” الكراكيب في العقول والقلوب إمكانية توسيع الحياة وإضافة الانتصارات بأنواعها العملية والنفسية والعاطفية أيضًا.

من الكراكيب الشائعة زرع قلة الحيلة بعد الفشل بأنواعه؛ بدلًا من التعامل معه “كوسيلة” للتعلم وللفوز بالخبرات واليقين بأن لا أحد لم يتعرض للفشل وأن المهم هو كيف يتعامل معه.

من الكراكيب المنتشرة في البيوت الاحتفاظ ببعض الأشياء “المكسورة” أو بأشياء لا تصلح للاستخدام وقد يعلن الصدأ عن نفسه فيها، أو ملابس لم تعد صالحة للارتداء لصغر مقاساتها أو لقدم موديلاتها.

الكراكيب في المنزل تحرمنا من رؤية بعض الأشياء الجيدة والمفيدة والصالحة للاستخدام وقد “تُدفن” تحت الكراكيب ونفاجأ بها بعد فترة “ونحزن” لعدم استخدامها، وكثيرا ما نجدها وقد “عبث” بها الإهمال وأضاع رونقها الذي جذبنا لشرائها.

نتفق مع قول آلان دونو: “يمكن تدنيس العقل بشكل دائم بسبب عادة الاهتمام بأشياء تافهة”؛ فكراكيب العقول ومنها انشغالنا بتفاصيل حياة الآخرين، وكراكيب القلوب بمتابعة علاقات انتهت أو “التركيز” في استدعاء ذكريات سيئة واجترارها؛ وكأننا “نبخل” على أنفسنا بالخلاص منها أو كأننا لا نستحق الفرح بانتهائها ومداواة جراحنا “بأيدينا”؛ ينبغي الابتعاد عنها وإغلاق هذه الصفحات والاستغراق في صفحات الحاضر بدلا من السماح بضياعها ثم عندما نتذكرها مستقبلًا “نندم” بعد فوات الأوان.

دومًا أشد وأقسى وأبشع خيانة هي خيانة النفس؛ حيث الجاني والمجني عليه هما نفس الإنسان؛ أي المسؤول “الوحيد” عن حماية النفس بعد الاستعانة بالرحمن هو الذي يخون الأمانة، وتزداد قسوتها عندما “يصر” على رفض تحذيرات المقربين منه وقد يراها تطفلًا أو عدوانًا عليه.

فمن منا لم يرفض يومًا نصيحة “مخلصة” تحذره من صديق أو ارتباط عاطفي، أو تلفت نظره إلى خطورة الإفراط في تناول طعام غير صحي، أو عصبية زائدة، أو زيادة وزن، أو تراجع عن النجاح في الدراسة أو العمل.

استنزاف وخوف

من كراكيب العقول رفض “طرد” الأفكار السلبية التي تستنزف الشخص “وتسرق” عمره، ومن يفعل ذلك كمن “يحتضن” الكراكيب في البيت ويراها جزءا من حياته “ويصرخ” في وجه من يطالبه بالتخلص منها “وإفساح” المساحات لوضع ما يزيد بيته تميزًا ونورًا ويمنحه “حرية” أفضل في الحركة وفي رؤية تفاصيل بيته بعيدا عن الكراكيب.

نملأ عقولنا بالكراكيب “باللهاث” وراء متابعة الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وقراءة منشورات “لا” تهمنا، والاهتمام بما “يقلل” حتمًا من طاقاتنا، وتناسي أن الطاقات “تنفد” ولها حدود وأن “بعثرتها” فيما ينهك العقل يمنع الاستفادة منها في العمل وفي تحسين العلاقات وتطوير القدرات والاستمتاع بما لدينا والسعي لزيادته أيضًا.

كما يخاف البعض من التخلص من كراكيب بيته “ويتحايل” للتهرب من ذلك؛ نجد الكثيرين من كل الأعمار ومن الجنسين يتهربون من “التفكير” في التخلص من كراكيب عقولهم وقلوبهم وتصرفاتهم ويخافون من “الفراغ” الذي سيحدث بعد طردها “ويحرمون” أنفسهم من ملئه بنجاحات وبعلاقات أفضل مع النفس قبل العلاقات مع الآخرين؛ فالعلاقة مع النفس ستكون أفضل حتمًا بعد التخلص من الأفكار التشاؤمية أو المفرطة في التفاؤل وأيضا عند طرد التفكير في التقليل من النفس والإحباط وفقدان الثقة بالنفس وتعجل النتائج وغياب التخطيط.

سيكتشف من يتخلص من كراكيب القلوب “السامة” كالحسد والغيظ من نجاح الغير والاحتفاظ بالغضب من البعض بعد انتهاء العلاقات أو بعد الحصول على حقوقه، والغل الذي يأكل صاحبه كما “تلتهم” الكراكيب التي تتراكم عليها الأتربة “نقاء” الهواء بالمنزل وتلوثه دون أن يشعر أصحابه.

سيفوز حتما من يتخلص من كراكيب العلاقات؛ فيتوقف عن التفكير في جذب إعجاب الآخرين بالتخلي عما يميزه، وسينتهي تماما من التفكير بجمع أكبر عدد من الناس حوله “وسيختار” نوع من يتعامل منهم وليس الكم، وسيتخلص من الزحام الذي “يزيف” الرؤية ويشوش التفكير ويجعل العلاقات كالوجبات السريعة ذات مظهر جذاب ولكن برائحة صناعية ومذاق غير طبيعي ودهون مضرة.

بعض الكراكيب في البيوت تتراكم عليها الأتربة وقد ينتج عنها روائح غير جيدة تصيب سكان البيت بالحساسية ولو بعد حين، وكذلك الاحتفاظ بالضيق وبالغضب من بعض التصرفات التي كان الأذكى المسارعة بطردها، واتخاذ القرار المناسب للتعامل مع من تسببوا في الضيق أو الغضب بلا مبالغة “ومكافأة” النفس على الحزم معهم.

الكراكيب في البيت وفي العمر لن تزول وحدها أبدا، ويجب بذل الجهد لإزالتها ومنع عودتها، ومهما كان ذلك الجهد كبيرًا أو متعبًا؛ فهو لا يقارن أبدا بالإنهاك والخسائر عند الاحتفاظ بها، وسيزول بعد استراحة محارب وستبقى المكاسب التي نستحقها جميعا. أليس كذلك؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان