الإفتاء تتوعد هادم المقابر التاريخية بحرب من الله

من الأخبار التي أصبحت مألوفة لدى الشعب المصري، ومتابعي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، أن تجد صورة وتحتها خبر إزالة لهذا القبر، سواء كان قبرا عاديا، أم قبرا يحوي بين جدرانه جسدا لمشهور من المشاهير، سواء كان المشهور من أصحاب الفنون العلمية، أم المكانة التاريخية، أو الدينية.

يوميا نقرأ خبرا عن إزالة مقبرة، سواء لعالم كبير، أو لولي من أولياء الله الصالحين بتعبير المصريين، أو لأديب كبير، مثل وَرْش عالم القراءات المشهور، والعز بن عبد السلام من قبل، ومحمود سامي البارودي، وطه حسين، وأحمد شوقي، ويوسف كمال الذي أسس مدرسة الفنون الجميلة، وساهم في تأسيس عدد من المتاحف الفنية في مصر، والقائمة تطول ولا تنتهي.

لكن الملاحظ هنا أنه لم ترفع أيّ جهة دينية أو إبداعية فنية، صوتها، ولم تنبس ببنت شفة، تستنكر ما يحدث، في حين يقوم المهتمون بالتصوير بالتقاط الصور من باب أن ما هو كائن سيكون بعد قليل ذكرى، لا وجود لها ولا أثر، رغم أن دار الإفتاء منذ المرحلة الملكية، وحتى الآن، لها فتاوى متعلقة بهدم هذه المقابر تحديدا، ومقابر أخرى لها نفس المكانة التاريخية والدينية، وكانت الاستفتاءات تأتي دار الإفتاء من جهات رسمية، أو مواطنين يسألون عن الحكم، ومعظم الأسئلة كانت لعلة التنازع بين الجهات الحكومية والأشخاص، أو نية الجهة الرسمية في الإقدام على عمل يتعلق بالمقابر وتغييرها.

مقابر وقفية لا يحل تغييرها أو هدمها

واتفقت كل الفتاوى الصادرة المتعلقة بهذه المساحة، على التحريم الشديد، والتجريم لمن يهدم هذه المقابر، وكلها تستند في التحريم والتجريم إلى الموقف الديني، وإلى حجة تاريخية دينية، تغيب عن أذهان الكثيرين الآن.

فتاوى دار الإفتاء المصرية المنشورة حاليا، التي نرجع إليها في الموضوع، نشرت على مرحلتين، المرحلة الأولى بدأت في عهد الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وانتهت عند المجلد الثاني والعشرين، وفي المجلد الخامس منها، كل الأسئلة المتعلقة بتحويل المقابر أو الجبانات إلى أماكن بناء أو طرق أو للانتفاع العام. ثم صدرت الفتاوى في إصدار آخر في عهد الدكتور شوقي علام، وصدر منها 54 مجلدا حتى الآن، وتقع أسئلة هدم المقابر والأضرحة، في هذه المجلدات مع رقم الصفحة: (6/95-327-331)، والمجلدات التالية حسب تقسيم الموضوعات والفترة الزمنية للمفتي، انتهاء بمرحلة شوقي علام، فصدر له أكثر من فتوى في الموضوع في المجلدين الثاني والأربعين، والثامن والأربعين.

وتبدأ الفتاوى فيها من الشيخ حسونة النوواوي والشيخ محمد عبده، بوصفهما مفتيي مصر، وكانت كل الفتاوى تعامل مقابر المقطم، والمناطق المحيطة بها، على أنها مقابر موقوفة، ولا يحق لأحد أن يحولها من مقابر إلى أي منفعة أخرى، وأن الذي أوقفها على المسلمين هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت متوارثة إلى الآن بنفس الصيغة الوقفية، ولذا لا يحل لأحد تحويلها لأي شيء آخر، أو هدمها، أو استبدالها. وكان أول من نبه إلى ذلك في الفتاوى الشيخ حسونة النوواوي.

مقابر المسيحيين

وفيما بعد صدرت فتاوى أخرى في نفس السياق من مفتيي مصر مثل: الشيخ بكري الصدفي، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمد إسماعيل البرديسي، والشيخ حسنين مخلوف، وكل من تولوا منصب الإفتاء، كلما جاءهم سؤال يتعلق بالمقابر الموقوفة يمنعون منعا شديدا المساس بها، أو إزالتها، مهما كان الهدف من ذلك، يستوي في ذلك قبر المسلم وغيره. فقد صدرت فتوى للشيخ بكري الصدفي في 21 من أغسطس سنة 1907م، عندما وجه إليه سؤال يتعلق بمقابر مسيحيين، كانت وقفا أيضا، فأفتى بعدم جواز تغيير هذه المقابر، أو هدمها، أو إزالتها، واعتبر حكم وقف المقابر للمسيحيين مثل حكم وقفها للمسلمين تماما في نفس الأحكام.

محاربة الله لهادم قبور الصالحين:

كانت الفتاوى السابقة لعهد الدكتور شوقي علام مفتي مصر الحالي، تتحدث عن المقابر الموجودة في هذه المناطق على أنها وقف، ولا يحل شرعا تغيير الوقف، لأنه حق لصاحبه، ثم لورثته، ولا يملك أحد كائنا من كان أن يغير ذلك، لكن الفتاوى التي وردت في أحد مجلدات فتاوى شوقي علام، تعاملت مع الأمر معاملة أخرى، أقوى وأشد من السابقين، بل حكمت حكما شديدا على القائم بهذا الفعل.

فالعجيب أن من بين فتاوى دار الإفتاء المصرية في المجلد الثامن والأربعين، ص: 312-317، فتوى كانت تسأل عن هدم ضريح لأحد أولياء الله الصالحين، وإدخال مساحة الضريح في توسعة مسجد، والأعجب هو رد دار الإفتاء، على لسان مفتيها الدكتور شوقي علام، إذ وصف من يهدم هذا القبر، أو الضريح، وإن كان للتوسعة للمسجد، وصفه السائل بأنه عمل إرهابي، وأقرت الفتوى ذلك، ووصفت الفعل بأنه جريمة، بل حكم على الفعل بأنه إفساد في الأرض، وعدوان سافر على حرمات الأموات!!

وقال عن هذه المقابر التاريخية: “وهذه الأضرحة جزء من تاريخ مصر؛ فقطاع كبير منها يعد أحد معالمها الإسلامية، مما يجعلها تراثا معماريا تاريخيا، لا بد من المحافظة عليه، ويجعل وجودها مرتبطا بقانون حماية الآثار المصري رقم (117) الذي يجعل الأثر في مادته الأولى: ما كان نتاجا للأديان قبل مائة عام مما له أهمية تاريخية، وكذلك بالمواثيق الدولية المتعلقة بالمنع من هدم الآثار.

وكثير من دول العالم الموصوفة بالتقدم والرقي الحضاري: توجد مدافنها في وسط مدنها أو حولها بلا غضاضة، بل هي من المزارات السياحية ومعالم الجمال في تلك البلاد”.

بل اشتد مفتي مصر الحالي شوقي علام، في الحكم على من يقوم بهدم هذه المقابر، فتوعده بحرب من الله، فقال: “فإن إزالة الأضرحة أو نقل رفاتها إلى أماكن أخرى -تحت أي دعوى من توسعة مسجد، أو دار مناسبات، أو غير ذلك- هو أمر محرم شرعا؛ لما فيه من الاعتداء السافر على حرمة الأموات، وسوء الأدب مع أولياء الله الصالحين، وهم الذين توعد الله من آذاهم بالحرب، وقد أمرنا بتوقيرهم وإجلالهم أحياء وأمواتا، ولا يجوز التوصل إلى فعل الخير بالباطل”.

وليست لشوقي علام فتوى وحيدة في الموضوع، بل له أكثر من فتوى، فما وقفت عليه فقط أربع فتاوى، وإجابته في هذه الفتاوى جميعا نفس الإجابة، التحريم والتجريم والتشنيع على هادم هذه القبور، وردت هذه الفتاوى في المجلدين: الثاني والأربعين، والثامن والأربعين، وكلها كانت تصف الفاعل بأشد الأوصاف، دينيا وقانونيا، وتنذره بأشد العقاب من الله في الدنيا والآخرة.

ملاحظات على المفتين والسلطة سابقا وحاليا

وتتضمن الفتاوى التي صدرت من قبل من دار الإفتاء، في مراحلها المختلفة، منذ الملكية، وحتى الجمهورية العسكرية، إلى ما قبل نظام الثالث من يوليو 2013م، عدة أمور جديرة بالوقوف والتنويه:

أولا: أن الجهات التي أقدمت على الإزالة قديما، كانت حريصة على معرفة رأي الشرع، قبل الإقدام على الفعل، لأن المقابر وإن كانت أبنية قد تتبع مديرية، أو جهة حكومية تنفيذية، فإنها ذات صبغة دينية وشرعية، ولذا لم يكن يجرؤ أحد على الإقدام على الخطوة، دون طلب فتوى من الجهة الرسمية للفتوى وهي دار الإفتاء.

ثانيا: كانت جهة الفتوى، تقول ما لديها بكل صراحة، دون مواربة، ودون توجس من عواقب فتواها، التي كانت في الغالب تنتهي بالانتصار لأصحاب القبر، وعدم المسارعة في مساندة السلطة في الفتوى.

ثالثا: كانت الجهة الرسمية التي تطلب الفتوى، تتوقف عندما ترى الفتوى لا تساند ما تنوي القيام به، وتلتزم بها، رغم أن فتوى دار الإفتاء ليست ملزمة للجهات التنفيذية من حيث القانون، ومع ذلك فقد كانت تلك الجهات تلتزم بها غالبا.

هل سيسحب المفتي فتواه؟!

أما السلطة الحالية، فلم تفكر في ذلك أصلا، فلديها مشروع تنوي القيام به، سواء وافق الشرع، أم خالفه، وافقت دار الإفتاء أم رفضت، وهو نفس الحال مع أهل الفتوى، فرغم وجود فتوى لشوقي علام بتجريم وتحريم هذا الفعل، بل والحكم على فاعله بالتطرف، ومحاربة الله، وتوعده بعقاب الله له في الدنيا والآخرة، فإننا لا ندري ما مصير فتواه تلك الآن، وهل يمكن إعادة نشرها على موقع دار الإفتاء؟ وهل إذا وجه إليه نفس السؤال الآن بنفس الصيغة التي قدمتها هيئة رسمية من قبل، أو أشخاص عاديون يشكون من قيام أفراد بهذا الفعل، هل ستكون الإجابة هي نفسها؟ أم ستذهب الفتوى إلى التبرير، وحذف ما قيل من قبل، وهو ما حدث في فتاوى مماثلة، فقد كانت هناك فتوى عن طائفة البهرة، وبعد لقاء رئيسها برئيس النظام سحبت دار الإفتاء الفتوى من موقعها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان