المهزوم لا يملي شروطه

بنيامين نتنياهو يلتقي جنودا إسرائيليين بالقرب من قطاع غزة (الأناضول)

مر ثلاثة أشهر على العدوان الإسرائيلي على غزة، وما زال قادة الكيان الصهيوني يعلنون أن الهدف الرئيس من الحرب هو القضاء على حماس ونزع سلاح غزة، ويرفضون -علنًا- إبداء أي تراجع عن حلمهم بهزيمة المقاومة الفلسطينية والسيطرة على القطاع وتنصيب إدارة عميلة، بل ويرددون أوهاما عن إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني ليكون محبا لـ”إسرائيل” بعد أن تضع الحرب أوزارها!

في مقال نشرته جريدة وول ستريت جورنال هذا الأسبوع طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ثلاثة شروط لوقف الحرب والعيش في سلام مع الفلسطينيين، وقال “لابد من تدمير حماس، ولابد من نزع سلاح غزة، ولابد من استئصال التطرف في المجتمع الفلسطيني”، وزعم “أن إسرائيل تخوض المعركة الكبرى التي يخوضها العالم المتحضر ضد البربرية”!

يأتي هذا الموقف الساذج من نتنياهو بسبب اصطفاف دول الغرب خلفه، فليس وحده الذي يستهدف إزاحة حماس ونزع سلاح غزة، فالولايات المتحدة والدول الأوربية الرئيسية تؤيد هذا الموقف العدواني غير الأخلاقي بكل قوة، ويشارك الأمريكيون في إدارة الحرب وفي القتال، ويمدون الإسرائيليين بكل أنواع الأسلحة التي تدمر المباني وتقتل البشر وتسفك دم كل ذي روح في القطاع، ويشجعهم غياب أي مشروع عربي إسلامي في مواجهتهم!

لكن رغم كل هذا الدعم من الجيوش الغربية فشل الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أي إنجاز، وقوبل بصمود فلسطيني أسطوري وصدمات مرعبة من كتائب القسام في الشمال والوسط والجنوب، وتحولت غزة إلى مصيدة للإسرائيليين، فعجز الصهاينة عن التقاط صورة واحدة مقنعة تؤكد أنهم ينتصرون كما يزعم يوميا المتحدث باسم الاحتلال، بل تفضح المشاهد التي يبثها الإعلام الصهيوني جرائم قصف المدنيين من مسافات بعيدة، وهي دليل على الضعف والجبن.

 

الفشل العسكري الذريع

ملخص الموقف على أرض المعركة بعد 12 أسبوعا أن المقاومة لها اليد العليا وهي التي تتلاعب بالعدو، وفي المقابل تاه الجنود الإسرائيليون في أرض ليست أرضهم، وكان حصاد الخسارة الآلاف من القتلى والجرحى، وتدمير ما يزيد على ألف دبابة وآلية رغم الغطاء الجوي على مدار الساعة والتدمير غير المسبوق وتجريف المدن والأحياء، وقتل وجرح أكثر من 50 ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال.

وأمام الخسائر العسكرية انسحبت الدبابات من مناطق واسعة في شمال غزة، وتم سحب القوة الضاربة في لواء غولاني، ثم سحب 5 ألوية بعد تكبد جيش الاحتلال خسائر موجعة، وقد شاهدنا لقطات فيديو للجنود المنسحبين وهم فرحون، وأقاموا حفلات بعد فرارهم للتعبير عن سرورهم بالنجاة من جحيم غزة، وقد اعترف الكثير من القادة العسكريين في تصريحات للصحافة الإسرائيلية بهزيمتهم في الحرب.

تسبب الفشل العسكري الصهيوني في تصدع التكتل الغربي المساند للعدوان، وابتعاد كثير من الدول الأوربية عن الولايات المتحدة، وخروج الخلاف بين إدارة بايدن ونتنياهو إلى العلن، ويظهر بوضوح في اتساع هوة الانقسام الداخلي، وبين قادة الأحزاب الإسرائيلية أمام الشاشات في المؤتمرات الصحفية.

وإذا كانت غزة تعاني من القصف والتدمير فإن الداخل الإسرائيلي يعيش معاناة مشابهة إن لم تكن أشد، فهذا المجتمع المتغطرس من المستوطنين المرفهين القادمين من أوربا وأمريكا الذين ظنوا أن فلسطين المحتلة واحة من الأمان، فوجئ بانقلاب الحال منذ 7 أكتوبر، وتحول عشرات الآلاف منهم إلى نازحين بعد أن تركوا مستوطناتهم في غلاف غزة وفي الشمال إلى أجل غير معلوم.

ويعيش معظم المستوطنين في المدن الإسرائيلية وتل أبيب في خوف وهلع بسبب رشقات الصواريخ من غزة التي ما زالت تمطرهم ليلا ونهارا وتجبرهم على الهروب إلى الملاجئ، وتحولت حياتهم إلى عذاب لا يطاق، مما زاد من حركة الهجرة وخروج أكثر من نصف مليون إسرائيلي إلى الدول التي جاؤوا منها.

ليس أمام الإسرائيليين إلا الرضوخ لشروط حماس

كان قادة الكيان الصهيوني يظنون أن التخريب وتدمير كل أسباب الحياة في القطاع والضغط العسكري سيجبر غزة على الاستسلام، وكانوا يتوهمون ومعهم الأمريكيون أن يخرج قادة حماس من غزة، ويكرروا ما حدث لياسر عرفات ومنظمة التحرير في لبنان عام 1982 عندما خرج الفلسطينيون من بيروت. وقد غاب عنهم أن المقارنة خاطئة، فعرفات لم يكن في بلده وكان الانقسام الطائفي في لبنان يعمل لصالح الصهاينة، أما غزة فهي أرض الفلسطينيين الذين تقودهم حماس.

وقد أثبت القتال أن الجيش الإسرائيلي ضعيف جدا، وهو عالق في غزة؛ لا هو قادر على السيطرة على الأرض وتحقيق الأهداف المعلنة، ولا هو قادر على الانسحاب والإقرار بالهزيمة، والوقت ليس في صالحه، فالموت ينتظر الجنود بسبب الاستنزاف اليومي الذي لم يعد سرًّا يمكن التكتم عليه، وفضحت النعوش والمروحيات التي تنقل المصابين إلى المستشفيات الانكسار العسكري، وكشفت هشاشة الكيان ونهاية الدعاية الكاذبة عن التطور التقني والتفوق العسكري.

لم يعد أمام نتنياهو وداعميه من مجرمي الحرب الدوليين مساحة كبيرة للمناورة والوقت عنصر ضاغط عليهم، فكل الطرق لتحقيق أي إنجاز مسدودة، وليس أمامهم إلا الرضوخ والقبول بشروط المقاومة الفلسطينية، وقد أعلنت حماس والجهاد الإسلامي أن لا تفاوض إلا بعد الوقف التام للحرب.

بعيدا عن عنتريات نتنياهو الكاذبة والإنجازات الزائفة لوزير حربه غالانت وهذيان المتطرفين سموتريتش وبن غفير فإن الهزيمة وقعت ولا فرار منها، وإعلان استسلامهم بالإكراه مسألة وقت ليس إلا، فإن لم يكن اليوم فغدا، وإن غدا لناظره لقريب.

المصدر : الجزيرة مباشر