بالمقاومة لا بمحكمة العدل الدولية

وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب إفريقيا ناليدي باندور تتحدث إلى الصحفيين في أعقاب حكم محكمة العدل الدولية بشأن غزة (الأناضول)

هي هزيمة جديدة لإسرائيل، وخسارة فادحة تضاف إلى سجلات خسائرها، منذ إرغام أنف غرور جيشها “الذي كان لا يقهر”، في التراب الفلسطيني يوم “الطوفان”، لكن هذه الهزيمة أخلاقية ومعنوية، وأغلب الظن أنها لن تتجاوز ذلك.

صدر قرار محكمة العدل الدولية، في الدعوى التي أقامتها جنوب إفريقيا أمامها، بإلزام إسرائيل اتخاذ جميع الإجراءات التي في صلاحياتها، لمنع وقوع الجرائم المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة، لمنع جرائم الإبادة الجماعية، والتآمر على ارتكابها، والتحريض المباشر والعلني عليها، ومحاولة ارتكابها، والاشتراك فيها، غير أن القرار لم يلزم وقف إطلاق النار.

هذه الثغرة، أو قل إن شئت النقيصة في القرار، دفعت الشريكين في الجرائم؛ تل أبيب وواشنطن، إلى تأويله بما يلبي نوازعهما الإجرامية، ويروي تعطشهما إلى سفك دماء الفلسطينيين، في إحدى أبشع الجرائم العدوانية في العصر الحديث.

حدود شراكة إسرائيل وأمريكا

نعم.. إن إسرائيل وأمريكا شريكان أصيلان في الجرائم، فإدارة الرئيس بايدن “الصهيوني”، كما يفتخر، لم تعد في خانة الحليف الداعم، بل انتقلت إلى خانة الشريك الأصيل، وصارت عضوًا في العصابة، وإلا فما تفسير جسر الأسلحة؟ وإلا فما تبرير الفيتو في مجلس الأمن؟ وألف “وإلا” منذ بداية العدوان.

بعد القرار تجلَّت الشراكة الأمريكية والإسرائيلية فورًا، في تطابق تصريحات مجرم الحرب نتنياهو، مع تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ففي حين رحب رئيس وزراء الاحتلال بالقرار، معتبرًا أن عدم تضمنه ما يُلزم “جيشه أو عصابته” وقف إطلاق النار، يتفق مع ما سماه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. في هذا الحين رأت الخارجية الأمريكية القرار متسقًا مع رؤية واشنطن، بأن إسرائيل لها الحق في اتخاذ إجراءات وفقًا للقانون الدولي، لضمان عدم تكرار هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وفيما يتعلق بمسألة الإبادة الجماعية، رفض نتنياهو التهمة في الأساس، وقالت الخارجية الأمريكية: “لا نزال نؤمن بأن مزاعم الإبادة الجماعية بلا أساس، ونلاحظ أن المحكمة، لم تخلص إلى نتيجة حول الإبادة الجماعية، أو تدعو إلى وقف إطلاق النار في حكمها”.

في تفسير زرع إسرائيل سرطانًا في المنطقة العربية، كان يقال على الدوام، إن وجودها إنما هو لتأدية دور وظيفي مرسوم حددته المصالح الأمريكية، وكثيرًا ما كان يُشار إلى الولايات المتحدة بمصطلح “الماما أمريكا”، نظرًا لدعمها تل أبيب، لكن في ظل إدارة بايدن يبدو أن البيت الأبيض هو الذي صار تابعًا للكنيست.

مظاهر التبعية الأمريكية لإسرائيل تتجلى في مفارقة أن الرئيس بايدن، يخسر بفداحة رصيده الشعبي، إثر تصاعد الاحتجاجات في أوساط الأمريكيين على سياساته إزاء الاحتلال، إلى حد أنه طلب في صيغة تبدو أقرب إلى التوسل، من نتنياهو “عدم مد أمد الحرب” لأن الناخبين الشباب ينفضون عنه، فإذا بالأخير يعلن أن القتال سيستمر ستة أشهر إضافية.

وقوف بايدن في صف نتنياهو، يهدد وبخطورة تجديد ولايته، والرجل لم يفعل شيئًا إلا أنه طلب، ولمّا ألفى طلبه مرفوضًا، ابتلع لسانه ولم ينبس ببنت شفة.

أيًّا ما يكن من أمر بايدن، فليحكم لولاية ثانية، أو يأت غيره، إذ ليس بعيدًا عن الذاكرة أن سلفه ترامب هو الذي نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

استمرار بايدن أو دخول غيره المكتب البيضاوي، ليس ذا تأثير على القضية الفلسطينية، لقد بدت البغضاء وقضي الأمر، وما من عاقل يتوقع تغييرًا في الموقف الأمريكي، إن الشريك في جريمة لا يمكن أن يدينها، بل إن الطبيعي والمنطقي أن ينكرها.

ولكن.. إذا كان الحال كذلك، فلماذا انطلقت التهليلات والتكبيرات للإشادة بقرار المحكمة على أكثر من صعيد؟

ربما لكونه سابقة غير مسبوقة، فمن المفيد بلا جدال، وضع إسرائيل في القفص، إزاء الهيئة القضائية الدولية، ومن المهم كذلك فضحها أخلاقيًّا أمام الضمير الإنساني، ومن المحمود كشف الشوفينية والنزعة الاستئصالية التي تستقر في جيناتها، سعيًا إلى استثمار تصاعد حالة استقباح جرائمها، في مشارق الأرض ومغاربها، لكن يبقى السؤال: وماذا بعد؟

إسرائيل رفضت القرار بالفعل

وفق النصوص التي تحدد نطاق عمل محكمة العدل الدولية، فإنه إذا امتنع أحد طرفي قضية ما، عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، وللمجلس إذا رأى ضرورة لذلك أن يقدم توصياته أو يصدر قرارًا بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم.

حسنًا.. لقد رفضت إسرائيل القرار بالفعل، إذ وصفه نتنياهو بأنه قرار شائن، مشددًا على مواصلة جرائمه لكن بمناورة لفظية ليست بعيدة عن النهج الإسرائيلي الاحتيالي: “سنواصل الدفاع عن أنفسنا”.

هذا معناه ببساطة أن القضية ستتجه إلى مجلس الأمن، أي ستقع في حِجر أمريكا، وعندئذٍ سيخرج حق النقض “الفيتو” لدرء إدانة إسرائيل التي هي في صلب حقيقتها، ستشكل إدانة لأمريكا كذلك.

هل هناك عاقل يتوقع احتمالا آخر؟

بالطبع لا.. الشريكان في الجريمة، سيحمي كل منهما الآخر، فإذا بواحد يطفئ الأنوار، والثاني يكسر الباب، واحد يقيد المجني عليه، والثاني يحز رقبته بالسكين.. هذا هو المشهد بغير تزويق، والكلام عن اعتبارات المجتمع الدولي أو رفضه لذلك، أو إدانته المضمرة أو المعلنة، كلام في كلام، لا يغني ولا يسمن من جوع، ذلك أن شيئًا اسمه المجتمع الدولي، ليس له وجود على أرض الواقع، وكل ما في الأمر أن هناك الولايات المتحدة، ومعها الدول التي تدور في فلكها، من شركاء حلف الناتو، في حين تكتفي الصين بالمناوشات الكلامية، وروسيا غارقة حتى أذنيها في الحرب على أوكرانيا.

مفارقات فقدان البوصلة العربية

أما بالنسبة للعرب، فالمعلوم بالضرورة أن هناك عواصم عربية تدعم الرغبة الإسرائيلية في تصفية حماس، لا لشيء إلا لفقدان البوصلة الأخلاقية والإنسانية، إلى حد اعتبار أي فصيل أو تيار ذي مرجعية إسلامية عدوًّا حتى وإن كان يخوض حربًا بالنيابة عن الأمة بأسرها، ضد العدو الفعلي والتاريخي لها.

فقدان البوصلة الأخلاقية والإنسانية ذاك، يقف وراء مفارقة أن جنوب إفريقيا تحرَّكت، والعرب كأعجاز نخل خاوية، ويقف وراء مفارقة أن يهودًا يتظاهرون في الولايات المتحدة ضد سياساتها إزاء الحرب، في حين يخشى المواطن العربي التلميح برفضه سياسة حكومته، ولو على شبكة ما من شبكات التواصل في الفضاء الإلكتروني، إذ قد يجد نفسه في قبضة رجال الأمن بتهمة الخيانة، ويقف كذلك وراء أن معظم العواصم العربية لم تنبس بحرف تعليقًا على قرار محكمة العدل، حتى كتابة هذه السطور، والأرجح أنها لن تتكلم، فالسلام خيار استراتيجي مع الذين يسفكون دماء أولي القربى والرحم.

هكذا تبقى المقاومة وحدها عاريًا ظهرها، وهو وضع ليس جديدًا لها، وهكذا فرغم أهمية قرار محكمة العدل الدولية، من الناحية الأخلاقية والمعنوية، فإن أي تعويل على ما يسمى بالمجتمع الدولي، ليس إلا أحلام عصافير.

الحل بالمقاومة أولًا، مع الترحيب بأية مسارات قانونية ودبلوماسية تفضح إسرائيل أكثر، وتكشفها أمام “الضمير العالمي” الذي استنهضت عملية طوفان الأقصى صحوته بشكل غير مسبوق.. الحل بالمقاومة رغم الاعتراف بفداحة الفاتورة، ورغم الألم الذي يعتصر القلوب.. الحل بالمقاومة وليس بمحكمة العدل ولا غيرها من الهيئات الأممية.. الحل بالمقاومة أولًا وأخيرًا، ما دامت أمريكا لا تغسل يديها من دماء الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة مباشر