لماذا تنهار قدرة إسرائيل على حسم الحرب؟!

ملصق يصورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يوم الغفران (رويترز)

إذا أردت أن تعرف لماذا لم يحترق الشرق الأوسط، بعد الضربات الصاروخية التي شنتها إيران على الكيان الإسرائيلي مطلع الشهر الجاري، فتوقف عن الملاحقة اللحظية للأحداث، وانظر إلى شاشات البورصة العالمية. فالبورصة ليست مجرد أرقام ومؤشرات ومرآة للاقتصاد فقط، بل انعكاس للسياسة التي تحرك عجلة الاقتصاد.

صعدت مؤشرات الأسهم في البورصة، وقيمة أسعار أسهم شركات الصناعات العسكرية الأمريكية تحديدًا، بعد أن ظلت تعاني تراجعًا، قبيل نشوب الحرب بأوكرانيا، والآن ترتفع قيمتها كلما وسعت إسرائيل دائرة الحرب، من غزة إلى لبنان، وتهدد بتوسيع عدوانها بالمنطقة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تظهر المؤشرات عودة استقرار شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بعد انهيار أسهمها بانفجار فقاعة مالية هائلة، مطلع الخريف. اتجهت أسعار النفط للهبوط من مستوى 79 دولارًا للبرميل إلى أقل من 70 دولارًا، بعد “صدمة العرض” التي شهدتها الأسواق، قبيل اتصال مطول أجراه الرئيس الأمريكي جون بايدن، مع رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو استغرق 30 دقيقة منتصف الأسبوع الماضي.

صدمة العرض

ظلت عيون المراقبين معلقة بشاشات البورصة، خشية أن تؤدي صدمة العرض بإمدادات الطاقة إلى زيادة أسعار النفط، توقع الخبراء أن تصل إلى 130 دولارًا للبرميل، بحالة تنفيذ إسرائيل تهديداتها بضرب المنشآت النفطية والنووية الإيرانية.

يسعى نتنياهو إلى حسم انتصار إسرائيل بأي ثمن، يضمن له البقاء في السلطة أو النجاة من العار الذي لحق به وبتحالفه الصهيوني المتطرف بعد هزيمة 7 أكتوبر التي أفقدت إسرائيل الأمن والسمعة العسكرية وكونها واحة الديمقراطية ودولة القانون بالمنطقة، إثر رؤية المجتمع الدولي حرب إبادة وحشية على الهواء أسقطت 42 ألف شهيد وأصابت 90 ألفًا وشردت مليوني إنسان في غزة، ويتابع نفس الجرائم على لبنان.

لا ترصد البورصة حجم الدماء الذي تخلفه الحروب، لكن تعكس أرقامها اتفاق كبار محركي الاقتصاد العالمي على كبح اندلاع حرب شاملة بمنطقة الشرق الأوسط، وانتشالها من حافة الهاوية. سحب “بايدن” من “نتنياهو” قدرته أن يظل واقفًا مثل “شمشون” ليدمر المعبد على من فيه، لينهي قدرته بأن يكون أمير الحرب وبلطجي المصالح الغربية بالمنطقة.

بينت الأرقام أن مفهوم انتصار إسرائيل بالمعركة لا يعني واشنطن التي تدرك أن الكيان الإسرائيلي مجرد لعبة تحركها لإدارة مصالحها، وأن هناك عزوفًا جماعيًا عن تصعيد الحرب لتصل إلى نقطة التدمير الشامل، بين حلفائها الأوروبيين اليابان ومن الصين وحتى روسيا على طريقة “شمشون” المثيرة وجنون العظمة التي أصابت نتنياهو.

أثبتت الأحداث أن إيران صاحبه الصواريخ العابرة للقارات، والمعتدى على كرامتها وسيادتها من قبل إسرائيل، توخت الحذر في ضرباتها، ونسقت مع الخصوم، فلم يسقط من ضربات 180 صاروخًا إلا فلسطيني وأحد المارة، وأعلنت رسميًا أنها لا ترغب في التصعيد.

حرب بلا نصر ولا نهاية

سحب الزناد من يد مجرم حرب، دمر اقتصاده، لم يأت مصادفة، فرغم حصوله على أعلى إمدادات مالية وعسكرية في تاريخ المساعدات الأمريكية للكيان، بلغت 251 مليار دولار منذ عام 1959،، فإن نظرة “بايدن” مستمدة من البراغماتية ذات الجذور الاستعمارية، التي تشعل الحروب مع بقائها تحت السيطرة، بما يجعل للحرب قيمة مادية تدفع التصنيع وتشغل العمالة وتواجه تمدد خصوم ترى في نموهم خطورة -ولو مستقبلية- على تفوقها التقني والصناعي والعسكري.

سار بايدن بمحادثته مع نتنياهو على نهج أسلافه، الذين يجيدون إدارة الأزمات الكبرى، والتي ظهرت جلية بأزمة “خليج الخنازير” أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عام 1959، حينما كاد العالم يشهد حربًا نوويًا كونية بين القطبين، فخلقت نظامًا للاتصال وقت الطوارئ بين قادة الدول، تمنع نشوب حرب شاملة.

طلب بايدن من نتنياهوعدم شن هجوم، على المنشآت النووية والنفطية بإيران. فالأمريكيون يدركون أن إيران المجروح كرامة نظامها، في حالة تعرض المنشآت النووية للقصف، ستعمل بكل جهدها لإنهاء تصنيع السلاح النووي وامتلاكه على وجه السرعة بما يحقق لها القدرة على الردع، ويبقي نظام الملالي، أسوة بكوريا الشمالية.

أتى الخوف الأكبر من قدرة إيران على تدمير اقتصاد العالم، بعمل متهور على طريقة نتنياهو، حيث هددت في حالة ضرب منشآتها النفطية بالرد الفوري بتدمير المنشآت النفطية بالخليج.

رهان الحرب

في عالم البورصة، يمثل هذا التهديد الإيراني جرس إنذار للعالم، الذي قد لا يعنيه امتلاك إيران نحو 3.2 مليون برميل من النفط، من بين 97 مليون برميل تنتج يوميًا بأنحاء الدول. فمعدل الاستهلاك العالمي يصل إلى 100 مليون برميل، تستخرج الولايات المتحدة أعلى نسبة بنحو 13.3 مليون برميل، ومن بعدها روسيا 10.3 مليون فالسعودية 9 ملايين، وكندا 5 ملايين، والعراق 4.5 مليون والصين 4.4 مليون.

تتحكم إيران بنحو 3% فقط من الإنتاج العالمي، تصدر 90% منه للصين، تحت قيود حظر اقتصادي، ولكن قوتها تأتي بقدرتها على اشعال حرائق توقف المرور بمضيق هرمز الذي يتحكم في 20% من تجارة النفط، بكميات تصل إلى 17.5 مليون برميل يوميًا تنتجها الدول الخليجية المهددة من قبل إيران.

أصبحت كل الرهانات الإسرائيلية على ضرب إيران غير مضمونة العواقب، فرغم أن الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، فإنها أكبر مستهلك أيضًا، وعندما تنهار صناعة النفط، ستزيد أسعار الوقود بالولايات المتحدة، بما يدفع التضخم إلى مستويات قياسية جديدة، حاول بايدن كبح جماحها طوال 4 سنوات، أملًا في تنشيط الاستهلاك ومكافحة الركود القاتل للأسواق، وتقليل البطالة التي تمثل له أزمة كبرى في موسم الانتخابات، وستترك أثرًا ثقيلًا لمن بعده.

مؤشرات مفزعة

تخشى الولايات المتحدة، من أن تتحول روسيا إلى أكبر مستفيد من صدمة العرض من النفط، حيث ستتضاعف الأسعار، بما يزيد من حصيلة صادراتها، وقدرة بوتين على تمويل الحرب في أوكرانيا إلى أمد طويل، بينما الدول الغربية تغرق في أزمات هائلة بسبب صدمة النفط، وتراجع المخزون العالمي من مستويات 31% إلى 14%، في ظل زيادة الاستهلاك، وندرة العرض ومقاطعة النفط الروسي، وزيادة الأسعار التي ستدفع البنوك المركزية إلى زيادة الديون والتضخم، بعد أن كادت تدفع بخفض معدلات الفائدة، للحد من الركود والتراجع بمعدلات النمو المحلي والعالمي.

يتابع المسؤولون في واشنطن مؤشرات البورصة المفزعة القادمة من الصين، والتي تظهر تراجعًا مستمرًا في الأداء الاقتصادي جراء انهيار سياسة تحفيز الاستثمار والنشاط العقاري، ويدركون أن ارتفاع أسعار النفط يمثل ضربة قاسمة لثاني أكبر مستهلك للنفط، بوقت تحول التنافس التجاري بين العملاقين إلى صراع اقتصادي وسياسي حول إدارة العالم، مع ذلك فإن الضربات المرتدة من أسواقها، ستعمق المشاكل الاقتصادية بواشنطن وأوروبا والعالم، حيث تنتج 30% من الناتج الصناعي العالمي.

لن يشجع أصدقاء إسرائيل العرب، على ضرب إيران، إما خشية على ثرواتهم أو توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي الذي يدعم استقرار الطاقة والكهرباء بمصر والأردن.

يدرك مشعلو الحروب أن “الفوائد تعتمد على النتائج، لذا لن يتمكن نتنياهو من التوجه إلى معركة كبرى بمفرده، لحاجته إلى قنابل لضرب المنشآت النووية بقدرة 5000 رطل، وقاذفات عملاقة تستخدم حصرًا بالقوات الأمريكية، بعد أن أدركت واشنطن أن التكاليف مرتفعة. ستظل الحرب مشتعلة بين غزة ولبنان، دون نصر حاسم لنتنياهو، طالما ظلت المقاومة قادرة على الحياة تحت قصف النيران.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان