عفوا.. لم نهزم بعد!!

على الرغم من ضربات المقاومة المتنامية ضد العدو الصهيوني، لا تتردد أبواق الأنظمة العربية المنخرطة في وحدة ساحات مع تل أبيب، في إعلان الهزيمة، والتبشير بالعصر الإسرائيلي السعيد، ودعم مساعي واشنطن لرسم مشهد سياسي جديد للمنطقة، يتجاوز المقاومة.
واللافت، كذلك، أن حالة من الإحباط بدأت تسري وسط قطاع من المثقفين، اعتبر عملية “طوفان الأقصى” مغامرة لم تؤد سوى للمذابح والتدمير، واستدعي هزيمة 1967 من دفاتر التاريخ، وتساءل مع شاعرنا الكبير “نزار قباني”، متى يعلنون وفاة العرب؟
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولكن هل فعلا المعركة انتهت، وينبغي أن نرفع الراية البيضاء؟
لست مهزوما.. ما دمت تقاتل
وبالطبع، بحسابات معارك الجيوش النظامية، نتعرض لهزيمة موجعة، ولكن منطق حرب العصابات مختلف، حيث يستهدف المقاتلون إيلام العدو، نظرا لفارق الإمكانيات، الى أن يضطر للتراجع.
والمدقق في الصورة، يمكنه بوضوح، رؤية نصف الكوب المملوء، فخسائر العدو البشرية متنامية، وخسائره الاقتصادية تهدده بالدخول في مرحلة ركود، والأخطر أن أزمته وصلت لصلب مشروعه الصهيوني ذاته.
وحتى لا نتهم بالديماغوغية، فنحن لا نقول، إننا نقف على أبواب تل أبيب.. ولكننا، وبتواضع، نشير الى أن العدو، لم يحقق أيا من أهدافه المعلنة، حتى الآن، وعلى رأسها اجتثاث المقاومة بفضل الصمود الأسطوري للشعبين الفلسطيني واللبناني.
كما أن مالات المعركة، تعتمد على عوامل عديدة منها، مدى قدرة المقاومة على ايقاع ضحايا، وما ستسفر عنه المواجهة بين إسرائيل وإيران؟ وتطورات الداخل الإسرائيلي؟ والتغيرات التى ستطرأ على النظام الدولي حال نشوب حرب إقليمية، وغيرها.
وتشير مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية في مقال بعنوان لافت هو “مفارقة الهزيمة الإسرائيلية” إلى أنه على الرغم من “التعبئة الكاملة، والدعم شبه الثابت من جانب الحكومة الأمريكية، وإعادة الجيش الإسرائيلي احتلاله نحو ثلث أراضي قطاع غزة”، فإن ذلك يبقى، بالنسبة إلى عدد من الإسرائيليين، أشبه بالهزيمة.”
ولم ينس الإسرائيليون، أن المقاومة الفلسطينية نجحت في كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
الهروب الكبير من “واحة الحرية”
توضح الأكاديمية والكاتبة الفلسطينية “غادة كرمي” لجريدة “العامل الاشتراكي” البريطانية أن “هناك درس مهم يمكن تعلمه، مما حدث في 7 أكتوبر، وما بعدها، هو أنه لا يوجد مستقبل للصهيونية في منطقتنا”.
وبعد عام من حرب الإبادة الجماعية بغزة، باتت إسرائيل تتعامل، وكأنها “فتوة المنطقة”، لكن المفارقة، أن مشروعها الصهيوني يعاني من أزمة عميقة.
ولعل من أبرز مظاهرها، تزايد الهجرة العكسية، من “واحة الديمقراطية” بالمنطقة، والفشل المتكرر في سحق المقاومة، فضلا عن تراجع الدور الامريكي بالمنطقة.
وبات معلوما، أن مؤسسي إسرائيل سعوا لإنشاء دولة استيطانية يهودية بالكامل بدعم من القوى الإمبريالية، ولم يكن هدفهم استغلال السكان الأصليين، بل طرد الفلسطينيين تمامًا، بوهم أنهم سيتمكنوا بذلك من دفن “المسألة الفلسطينية”.
ولكن وبعد مجازر عديدة، تجد الدولة الصهيونية، نفسها مضطرة لفرض حالة حصار دائم على ستة ملايين فلسطيني، وهو عدد يقترب من عدد اليهود أنفسهم.!
وتثير بيانات الهجرة، القلق، في دولة قائمة على الاستعمار الاستيطاني والإحلالي، فمنذ سنوات طويلة يسجّل ميزان الهجرة من إسرائيل وإليها نتائج سلبية.
وأظهرت البيانات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي زيادة بنسبة 59% في أعداد الإسرائيليين الذي غادروا إسرائيل لمدّة طويلة في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام. فقد سُجِّل مغادرة 40.4 ألف إسرائيلي بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2024، بالمقارنة مع 25.5 ألف مغادر في الفترة نفسها من العام الماضي.
المقاومة.. وأسطورة العنقاء
وخلال 76 عاما، لم تتمكن إسرائيل من التغلب على مقاومة الفلسطينيين، بل وبدت في عيون ملايين الشباب في العالم، كدولة إرهابية وعنصرية.
وبعد هزيمة 1967، تصاعد الكفاح المسلح بقيادة منظمة التحرير، وفي عام 1982، غزت إسرائيل لبنان لسحق المنظمة وحلفائها الإسلاميين واليساريين.
ولكن المقاومة الفلسطينية، كأسطورة العنقاء، تنهض من جديد، فسرعان ما اندلعت الانتفاضة الأولى 1987، والثانية عام 2000، وبعد فوز حماس في الانتخابات شنت إسرائيل هجمات متكررة على غزة في الأعوام 2008 و2012 و2014 و2018-2019.
ومع ذلك، استمرت المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك انتفاضة الوحدة عام 2021 التي وحدت الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء فلسطين المحتلة.
ووجه هجوم حماس المزلزل وغير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الاول2023، ضربة موجعة لمحاولات الصهاينة لسحق المقاومة.
للعنصرية در
ومع استمرار فشل دولة الاحتلال في اجتثاث المقاومة، تزداد شعبية الأيديولوجية العنصرية وسط الشباب، بينما يتعمق الانقسام بالمجتمع.
وليست مصادفة، كما تقول جريدة “العامل الاشتراكي” البريطانية، أن “يكون الشباب، الذين كانوا أطفالا إبان الانتفاضة الثانية، هم الأكثر يمينية في المجتمع الإسرائيلي، بينما ظهرت أحزاب السياسية، لا تسعى سوى للحصول على امتيازات”.
ولا تخفي قوى اليمين الصهيوني برنامجها الرامي للتخلص من السلطة الفلسطينية، وضم كامل الأراضي من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، كما تقف وراء هجوم الجيش والمستوطنين الحالي على الضفة الغربية.
ورغم أن المؤسسة الصهيونية والقادة العسكريين ووكالات الاستخبارات تشترك مع اليمين في تصميمه على سحق المقاومة، لكنهم قلقون بشأن “شرعية” إسرائيل والعواقب الإقليمية المترتبة على الاستغناء عن ورقة التوت المتمثلة في “الاحتلال” وإقامة دولة فصل عنصري.
ويزيد من الارتباك بشأن “اليوم التالي” في غزة، أن خطة اليمين المتطرف لتهجير الفلسطينيين متعثرة، فحماس ما زالت تقاوم، ومصر والأردن تعارضان “الترحيل”، كما يرفض قادة الجيش والمخابرات خطط الاحتلال الدائم وإعادة الاستيطان في غزة.
هذا المأزق، يغذى من جهة أخرى الانقسامات داخل إسرائيل، ويعمق الاحتجاجات الجماهيرية، كما رأينا في المظاهرات الكبرى المطالبة بإبرام صفقة مع “حماس” لإطلاق سراح الرهائن.
وبواقعية، تنصح “فورين افيرز” قادة الصهاينة قائلة: “كانت غزة ولبنان دوما مستنقعا لإسرائيل، فلا يجب تكرار الأخطاء القديمة، بل يجب تقليص الخسائر وإبرام صفقة عاجلة”.
أمريكا تحت الحصار
يخوض “جو بايدن” بالفعل الحرب الى جانب إسرائيل، ولكنه لا يستطيع كبح جماح نتنياهو، الذي يبدو، ولأول مرة، وكأنه صاحب اليد العليا في الميدان.
ويرجع المؤرخ الاقتصادي اليساري “آدم توز”، هذا التحول، إلى أن بايدن صهيوني متحمس، وتزامن تصعيد الحرب مع ذروة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ويلفت الانتباه إلى أن واشنطن باتت محاصرة، “فهي تواجه تحدي الصين لهيمنتها العالمية، وتستعد لصدام عسكري محتمل مع بكين بشأن تايوان، بينما تواجه روسيا، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الصيني، على الأراضي الأوكرانية”.
ويتداخل هذا الصراع العالمي مع حرب إسرائيل في غزة ولبنان، حيث تتحالف إيران، الداعمة الرئيسية لحركات المقاومة، بشكل متزايد مع الصين وروسيا، ولذلك، تخشى واشنطن من توجيه إسرائيل ضربة قوية لطهران، تشعل حربا إقليمية، وعندها ستضطر للتدخل.
يرخي هذا الوضع بكامل ثقله على طبيعة الرد الاسرائيلي، وما سوف يستدرجه من رد إيراني. وعليهما سوف يتوقف الى أبعد حد مسار ومصائر الحروب المتقاطعة غداة الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر.
يا عدو الشمس.. لن أساوم
ورغم أن المقاومة الأسطورية، تعاني من خذلان عربي، وغياب الغطاء السياسي، وارتباطها بحسابات إيرانية معقدة، ولكنها تتسلح بدروس التاريخ.
ولم يكن أحد يتخيل، ألا يتمكن الاحتلال مدعوما بأموال وسلاح العالم كله تقريبا من القضاء على المقاومة بالضربة القاضية، طيلة عام كامل.
بيد أن حروب التحرير، تكسب بالنقاط، ولا تنتصر الا بتضحيات مؤلمة، وينطبق على مقاتليها القول، “كم مرة شعرنا فيها بالنهايةِ وما انتهينا، وكم من مرة شعرنا فيها بالهزيمةِ وما هُزمنا…!”
