كان ناصرياً في زمن ما..!

الإعلامي المصري إبراهيم عيسى (مواقع التواصل)

ليس أخطر على الأمة العربية من إسرائيل، إلا أبواق وعملاء إسرائيل.

العدو الذي يتنكر في ثياب الناصح المخلص، أخطر من المباشر السافر، ولذلك يقول الكاتب سليمان العقيلي: “احذر عدوك مرةً واحذر صديقك ألف مرة”، ويقول سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: “لا خيرَ في ودِّ امرئٍ متملقٍ، حلوِّ اللسانِ وقلبُه يتلهبُ/ يعطيكَ من طرفِ اللسانِ حلاوةً، ويَرُوغُ عنكَ كما يروغُ الثعلبُ”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

من نماذج إعطاء الحلاوة من طرف اللسان، ومراوغات الثعالب الفكرية، ما دأب عليه منذ اللحظة الأولى للطوفان، كاتب صحفي كان ناصريًا في زمان ما، ومنحازًا إلى المقاومة الإسلامية في عصر ثانٍ، وثوريًا في ما مضى، لكنه تحوَّل الآن فإذا بنا لا نعرف له أصلًا ولا فصلًا، حتى بدا لقيطًا فكريًا أو قل ابن حرام ثقافيًا.

الناصري الإسلامي الثوري المعارض السابق، المشهور بذي الحملات، يقول في برنامج تلفزيوني: إن المقارنة بين يومي السادس والسابع من أكتوبر/ تشرين الثاني “هي قلة أدب وسفالة”.

ليس مفهومًا ما الذي يغضبه من المقارنة أصلًا؟ فانتساب البطولتين إلى بعضها البعض ليس منبت الصلة عن الحقيقة.

بعيدًا عن ما تستدعيه مفارقة وقوعهما في أكتوبر/ تشرين الثاني، كلاهما ضد العدو ذاته، في ظرف يبدو متشابهًا من حيث جنوح هذا العدو إلى الصلف والاستعلاء، والتباهي بقدرته على ردع خصومه في أي مكان، وكلاهما حراك نضالي تضافرت فيه عناصر العبقرية من حيث التنفيذ المحكم ومباغتة الاحتلال رغم قلة الإمكانيات.

ماذا يضير نصر السادس من أكتوبر إذ يغدو مثلًا أعلى تتوخاه المقاومة الفلسطينية فتنسب أعمالها إليه؟

المؤكد أن حلقات النضال على الأرض العربية المحتلة، تصبح أمضى تأثيرًا وأوسع أثرًا، حين ينتظم اللاحق والآني منها في مسلك الأمس والماضي.

مقولات لخدمة السردية الصهيونية

والمؤكد كذلك أن رفض المقارنة ينتقص من القيمة المعنوية ليوم العبور المجيد، ويختزل معركة السادس من أكتوبر/ تشرين الثاني، في أنها كانت مصرية بحتة، لا علاقة لأمتها العربية بها، كما ينتزع عملية طوفان الأقصى من سياقها القومي العروبي ذاته.

كلامٌ لا يخدم إلا السردية الصهيونية، والمصالح الإسرائيلية في تفتيت الأمة وشق صفها، ويُذَّكي نيران التزوير التي اشتعلت شرارتها بعد اتفاقية كامب ديفيد، إذ أمعن سدنة معبد السادات في تخوين الشعب الفلسطيني، وشيطنته في وجدان العوام، عبر أكاذيب متهافتة على شاكلة أن “الفلسطينيين باعوا أرضهم”، أو أن “مصر أدت واجبها وسددت فاتورة كبيرة من الدماء والاقتصاد، وآن الأوان أن ندخل عام الرخاء”؛ الرخاء الذي لم يتأتَ بعد .

ثم إن المقارنة بين البطولتين، ليست من بنات قرائح الإعلام الفلسطيني مثلًا، أو من خيالات المنحازين للمقاومة من النُخب، ولم يبتكرها الإسلاميون الذين يكرههم “ذو الحمَّالات” كراهيةً لا تتحرى الموضوعية ولا تتوخى النزاهة الأخلاقية، بل إنها مقارنة استدعاها وجدان بسطاء الناس، بعدما وقرت في قلوبهم عفويًا.

الأكثر من ذلك أن الإسرائيليين أنفسهم عمدوا إلى تلك المقارنة، فإذا بإعلامهم يتحدث عن جحيم لم يكتووا بنيرانه منذ يوم “كيبور”، وهذه مفارقة عميقة الدلالة.

مثلما أوحت عملية الطوفان للعربي أنه يقدر على اجتراح المستحيلات، إذ عبر القبة الحديدية، كما عبر آباؤه وأجداده خط بارليف، أكدت للمستوطنين بالتزامن أن مقولة “الجيش الذي لا يقهر” ليست إلا محض هذيان، وقد أثبت العرب تفاهتها في حدثين متماثلتين، وإن كان بينهما نصف قرن.

وغني عن البيان أن الاتصال بين “العبور والطوفان” يهزم إسرائيل نفسيًا، يحطم الروح المعنوية لمستوطنيها وجيشها ومجرمي الحرب الذين يحكمونها، ما يجعل الأحرى، والحال كذلك، أن يميط قادة الفكر اللثام عن ما بين الحدثين الكبيرين من تشابهات، على الأقل لتثبيت المقاومين الذين امتشقوا حسام التحدي في وجه العجرفة الصهيونية، فأوقف “طوفانهم” حملات تهويد المسجد الأقصى، وضم الضفة الغربية، ومازالوا يجابهون مؤامرات التهجير، وصولًا إلى خطط احتلال أراضٍ من مصر وسورية ولبنان والأردن والعراق، التي كشف عنها وزير مالية الكيان سموتريتش، من دون حتى بيان شجب مُعلَّب من أي من عواصم الدول المذكورة، وكذلك من دون أن يحرك نخبة “الطابور الخامس” ساكنًا.

أسد على المقاومة وأمام الصهاينة نعامة

الناصري والإسلامي والثوري والمعارض السابق والذين معه، تقاعسوا عن الرد، حتى على قلة أدب سموتريتش، إذ هم مشغولون منصرفون إلى ممارسة قلة الأدب ضد المقاومة.

أسودٌ على أصحاب الحق المحاصرين، ونعام على السفَّاحين الذين يمطرون المستشفيات بالقنابل.

لم يروا من طوفان الأقصى إلا تدمير قطاع غزة، وإراقة دماء أكثر من 40 ألف فلسطيني، والأعداد مرشحة للتضاعف في الأراضي المحتلة ولبنان الذي سحبته المقاومة، إلى حرب لا ناقة ولا جمل له فيها.

كذلك يدَّعون في دأبٍ لئيم وتدليس مذموم على حبس القضية الفلسطينية في حدود الأراضي المحتلة، وعدم التعاطي معها باعتبارها قضية الإنسان العربي الأولى من الخليج إلى المحيط، رغم أنف اتفاقيات التطبيع الرسمية، واتفاقيات الخزي الإبراهيمية.

التركيز على الخسائر وإن كانت مؤلمة، مع غض البصر كليًا عن المكتسبات التي حققها “الطوفان”، ينفي الموضوعية النقدية عن كل ذي حمَّالات، ويجعلهم في دوائر شك ، ومحط تساؤل عن الأجندات التي يعملون على تنفيذها، في هذا الوقت الحرج من مسيرة التاريخ العربي.

هناك إنجازات واضحة كالشمس لكنهم يريدون إطفاءها بأفواههم، ومنها بالطبع انكشاف عورات المندسين في الصفوف، وافتضاح خبيئة نفوسهم أمام الناس.

متى يعرف الناس العدو من الصديق، سيُطهّرون لا محالة صفوفهم من المُدلِّسين المدنَّسين، وهذه صحوة كبيرة بعد عقود طويلة من الغفلة العربية، وهي صحوة واجبة وحتمية على صعيد العمليات العسكرية، درءًا لانكشاف الخطوط الاستخباراتية التي تعرَّض لها حزب الله مؤخرًا، على سبيل المثال، كما هي واجبة على الصعيد الفكري والثقافي.

الصحوة من مكتسبات عملية الطوفان لا ريب، و”إن الصحوة هي الإيمان المطلق بأن المعركة تدور اليوم، ولا تنتظر يوم القيامة، والحرب ضد إسرائيل هذه الساعة وليس يوم قيام الساعة”.

العبارة الختامية ما بين القوسين، كتبها الناصري والإسلامي والثوري السابق في زمن ما، قبل أن يتنصل من كل شيء، ويتقاعد عن الخدمة، أو ربما لإخلاصه في تقديم “خدمات أخرى لأسياد آخرين”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان