حرب السيارات.. هل تفقد ألمانيا ريادتها لصالح الصين؟

ليست الحروب العسكرية هي الوحيدة الدائرة على أشدها الآن، بل هناك حروب خفية عديدة من أجل السيطرة العالمية تدور رحاها بقوة بين القوى المهيمنة بالتوازي مع الحروب العسكرية. إحدى تلك الحروب هي حرب صناعة السيارات، وهي حرب بدأت نتائجها تظهر بعد تراجع إنتاج شركات السيارات العالمية مقابل وفرة الإنتاج الصيني.
إن إعلان شركة فولكس فاجن الألمانية العملاقة -وهي ثاني أكبر شركة صناعة سيارات في العالم- نيتها إغلاق عدة مصانع لها واتباع سياسة تقشفية من أجل توفير 11 مليار يورو بعد تدني المبيعات، مقابل ارتفاع مبيعات السيارات الصينية يعد إيذانًا بهزّ عرش صناعة السيارات في ألمانيا بعد أن تربعت عليه لعقود عديدة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
التفوق الصيني يُحدث الآن قلقًا كبيرًا في أوساط الشركات الأوروبية العملاقة، ومحاولة بعضها تحويل المصانع إلى إنتاج السيارات الكهربائية لن تجدي لأن الصين سبقت الجميع، وقطعت خطوات جادة في مجال إنتاج السيارة الكهربائية أيضًا. لقد كان ذلك سببًا في تقليص فرنسا وإيطاليا إنتاجهما إلى نصف ما كانتا تنتجان في عام 2000 بسبب الارتفاع الهائل في مبيعات السيارات الكهربائية الصينية.
المشكلة معروفة والحل صعب
إن الشركات الألمانية الأخرى المعروفة، مثل شركة بورش للسيارات الرياضية، وبي إم دبليو ومرسيدس، وأوبل، أعلنت عن خفض توقعاتها للسنة المالية الحالية، وهذا ما يؤكد فعلًا أن ألمانيا تواجه مشكلة في صناعة السيارات. ويبدو للبعض أن المشكلة معروفة وهي أن مرتبات عمال صناعة السيارات في ألمانيا هي العليا في العالم، فالعامل يتقاضى 62 يورو في الساعة مقابل 21 يورو في إسبانيا و14 في التشيك، و12 في رومانيا، وهو بالتأكيد في الصين أقل بكثير!
الأمور أصبحت أكثر وضوحًا عندما اعترفت ألمانيا بأن إنتاج السيارات انخفض فيها الآن بنسبة 25% مقارنة بعام 2018 بسبب المنافسة الصينية الشديدة، ليس هذا فحسب، بل وامتدت المنافسة إلى قطاع السيارات الفاخرة التي كانت تنفرد بها ألمانيا لعقود.
أصبح الآن ثلث السيارات التي يتم تصنيعها في العالم يأتي من الصين بسبب رخص ثمنها، وعندما حاولت ألمانيا إنتاج سيارة رخيصة عن طريق شركة تدعى “جو” لمنافسة السيارات الصينية الرخيصة، خسرت المعركة وأفلست الشركة لأنه ببساطة لا يمكن لأي شركة أن تنتج في ألمانيا سيارات منخفضة الثمن!
نقابة العمال الألمانية تنتقد شركة فولكس فاجن
تشير التقارير إلى أن شركات صناعة السيارات الصينية مستمرة بقوة في التوسع والامتداد خارج موطنها، وهناك توقعات بأن تبلغ حصة السوق العالمية من السيارات الصينية 33% بحلول عام 2030. ويخشى كثيرون من أرباب صناعة السيارات الأوروبية أن تغمر المركبات الصينية الصنع والأقل تكلفة الأسواق؛ مما يؤدي إلى تقويض النماذج المنتجة محليًّا.
حسب البيانات، فإن مبيعات شركات السيارات الصينية خارج الصين مرشحة للارتفاع من 3 ملايين سيارة في عام 2024 إلى 9 ملايين سيارة بحلول نهاية العقد الجاري، نتيجة لتطوير القدرات التصنيعية والتكنولوجية الصينية.
التذمر والقلاقل ينتابان أوساط العمال في الشركات الأوروبية، واشتدّ ذلك بعد نية شركة فولكس فاجن إغلاق مصانع لها، خاصة أنها كانت تمثل أحد أكبر الضمانات للعاملين فيها عبر تاريخها الممتد 87 عامًا. وهي المرة الأولى التي تقرر فيها إغلاق مصانع في ألمانيا.
وهناك أمر آخر خارج إطار المنافسة مع الصين وهو أمر بيئي يرجع إلى عدم التزام الشركة بقرارات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالامتثال لحدود ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يهدد مبيعاتها بشكل حازم بسبب فرض غرامات بمليارات الدولارات. وأمر سياسي آخر يرجع إلى أن ولاية ساكسونيا السفلى تمتلك 20% من حصة الشركة. أما نقابات العمال فقد ألقت باللوم على إدارة الشركة وسياساتها البائسة.
التفوق الصيني واضح
الصين لن تتوقف، وكل التوقعات تشير إلى أنه بحلول عام 2030 ستكون هناك سيارة من إنتاج الصين من كل خمس سيارات في العالم، وستكون للصين القدرة على إنشاء سيارات تناسب كل الأذواق، لا غنى عنها، وتناسب كل القدرات المالية، ومتقدمة في التكنولوجيا والتصميم، وأكثر كفاءة في الهيكل، وسيكون تسويقها سريعًا وسهلًا.
لن يتوقف طموح الصين على سوق بعينه، فهي تطمح إلى النمو بشكل كبير في أسواق أمريكا الوسطى والجنوبية، وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وإفريقيا. وبالفعل قامت الصين ببناء مصنع كبير لصناعة السيارات عبر الحدود في المكسيك لإنتاج سيارات يتم بيعها في الولايات المتحدة. وهذا ما سبب قلقًا للسياسيين في الولايات المتحدة الذين يرغبون في عدم دخول السيارات الصينية بلادهم، ولهذا شن ترامب حملة كبيرة وتعهد بعدم دخول السيارات الصينية المصنوعة في المكسيك إلى بلاده حال فوزه. وصرح بضرورة رفع الرسوم الجمركية إلى 100% لمنعها من دخول البلاد، وهو ضعف الضرائب الحالية التي فرضتها إدارة بايدن مؤخرًا. كما تفرض أوروبا من جهتها أيضا رسومًا جمركية على السيارات الكهربائية الصينية بنسبة 48%.
إذن، الحرب ما زالت دائرة وسوف نشهد تغيرات جذرية اقتصادية وسياسية في غضون السنوات القليلة القادمة نتيجة لصراع الهيمنة الذي يتشكل أمامنا الآن.
