إسرائيل إلى أين؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (الفرنسية)

مع ارتفاع وتيرة القتل والإبادة والتدمير، في كل من فلسطين ولبنان، والرد المقاوم، أصبح واضحًا أن الكيان الصهيوني، أو ما يعرف بإسرائيل والإسرائيليين، يكتبون نهايتهم الآن بأيديهم وأيدي المؤمنين من أبناء الأمة، بالتزامن مع تطورات أخرى عالمية، بدأت مبكرًا بالصدام الروسي مع الغرب على الأراضي الأوكرانية، مع أنباء حول قرار كوري شمالي بإرسال أربع فرق مكونة من 12 ألف جندي للقتال في صفوف القوات الروسية، في سابقة هي الأولى من نوعها، وسط سخونة جبهة الصين وتايوان، وتوقعات باشتعالها بين لحظة وأخرى، وهي الجبهة التي تحتم التدخل الأمريكي المباشر، لأسباب عديدة.

كل مجريات التاريخ، وأزمات الجغرافيا، ونبوءات السابقين، وممارسات اللاحقين، تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط، هي محور المواجهة العالمية الكبرى، ولِمَ لا، وهي أرض الميعاد، ومهبط الأديان والرسل والكتب السماوية، وهي أيضا محور العقيدة اليهودية الراسخة في إسرائيل، والبروتستانتية الصهيونية بالعالم، التي تسعى في هذه الآونة إلى التعجيل بتلك المواجهة، في الوقت الذي تؤكد فيه ممارسات القتل بأوساط المدنيين على مدار الساعة، أن الإنسان قد بلغ مبلغًا كبيرًا من التقدم التكنولوجي أو العلمي، إلا أنه ما زال متراجعًا إلى حد كبير، بمقياس الحضارة الإنسانية والأخلاقية، التي ما زالت محكومة بتطلعات استعمارية متخلفة، ورغبات عنصرية بغيضة، وطائفية مقيتة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وإذا بحثنا بدقة في الحالة محور الصراع الآن، فسنتأكد أن الحكومة المتطرفة في إسرائيل، على سبيل المثال، لا تسعى إطلاقًا إلى الإفراج عن أسراها لدى المقاومة الفلسطينية، بقدر ما تعمل طوال الوقت على زيادة عدد القتلى في صفوف عامة الشعب الفلسطيني، من أطفال ونساء وشيوخ، في حرب إبادة مكتملة الأركان، كما لا تستهدف بالدرجة الأولى أفراد المقاومة اللبنانية، بقدر ما تستهدف تدمير الحياة في الجنوب وضاحية بيروت، فيما يشير إلى أن المعلن من الأمور، مختلف تمامًا عما يجري على أرض الواقع، تحت سمع وبصر العالم.

    مساعدات السلاح والغذاء!

وبمتابعة لممارسات الغرب، المفترض فيه التحضر، سوف نكتشف أن كل ذلك القتل والدمار وقصف المستشفيات ومخيمات الإيواء وسيارات الإسعاف والمدارس، يتم بسلاح غربي أمريكي، في الوقت الذي لا يخجل فيه هؤلاء وأولئك من إرسال مساعدات غذائية بين الحين والآخر للمستهدفين بالقتل، أو أكفان لمن تم قتلهم بالفعل، في دراما سوداوية، قد لا يستوعبها العقل الذي سوف يسمع عنها في المستقبل، على الرغم من فرضها على العالم الآن، باعتبارها من أعمال البر والتقوى، ولكن على طريقة أحفاد الكاوبوي وقراصنة الكاريبي والفايكنج، وسط تصفيق وتهليل بعض وسائل الإعلام العربية، بل والمسؤولين العرب.

ولست مع من يعتبرون أن الموقف الدولي الحالي فاشل في التعامل مع الأحداث الجارية، بل على العكس، هو يؤدي دوره المرسوم بإتقان شديد؛ ذلك أننا أمام منظمات، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، على سبيل المثال، أُنشئت خصيصًا، كما هو واضح، لرعاية مصالح الكيانات العظمى، وإنزال العقوبات بالكيانات الصغرى، ثم جاءت محكمتا العدل والجنائية الدولية، لتضيف إلى سلسلة هذه المنظمات، المزيد من التواطؤ والتبعية، وسط صمت الدول المستهدفة، بل وحرصها على استمرار العضوية بهذه وتلك، دون أدنى تحكيم للعقل أو المصالح الوطنية.

كما كشفت حرب الإبادة في فلسطين تحديدًا، عن حالة من الخوف والرعب في أوساط الأنظمة الدكتاتورية بشكل خاص، لا تجعلها تنحاز للحق أو العدل؛ ذلك أنها تخشى من قيام القوى الكبرى بزعزعة عروشها، وهو أمر بدا سهلًا، من مجريات أحداث سابقة عديدة، ما دامت لا ترتكز هذه الأنظمة على ظهير شعبي، وهو ما جعل الشعب الفلسطيني يخوض نضاله التاريخي، دون أي سند دولي من منظمات أو عواصم، حتى ممن كانوا في عداد الأشقاء والأصدقاء، وشركاء التاريخ والجغرافيا، بل والأمن القومي والإقليمي.

 الصحوة الشعبية عامل الحسم

على أية حال، ومن خلال كل هذه المعطيات والأحداث، يمكن التأكيد على مجموعة من التوقعات في المستقبل، يمكن إجمالها في خمس نقاط:

أولًا: أن الكيان الصهيوني اللقيط في المنطقة، إلى زوال، في كل الأحوال، طالت الحرب أم قصرت، وذلك بحكم قراءة تاريخ الاستعمار في كل بقاع الأرض، وبحكم قراءة تاريخ حركات التحرر الوطني أيضا، فما بالنا إذا كنا نتحدث عن القضية الأكثر عدالة في التاريخ المعاصر، والمقاومة الأشد بأسًا، وما وجود حكومة متطرفة، بل إرهابية، على رأس الكيان، إلا نذير دمار وزوال.

ثانيًا: يجب أن نعترف بأن القضية الفلسطينية، من خلال المقاومة، استطاعت تجميع الطوائف الإسلامية، وما يسمى المذاهب، في بوتقة واحدة، بنسبة تزيد على 90%، بعدما أنفق المستعمرون والمستفيدون والمنافقون معًا الكثير من الجهد والمال، لبث الفرقة والتعصب في أوساط أبناء الدين الواحد، ومن هنا فنحن أمام قوة عربية إسلامية، سوف تصب رويدًا، في صالح القضية الفلسطينية، شاء البعض أم أبى.

ثالثًا: مع اكتشاف الخديعة التي عاشها العالم، على مدى 76 عاما، حول شرعية الكيان الصهيوني، وخديعة الوهم حول شائعة الدولة الأكثر تحضرًا بالمنطقة، أصبح من اليسير الآن القبول الشعبي العالمي بتسوية هذه القضية لصالح الشعب الفلسطيني، بعد أن أصبحت كلفتها مرهقة، مع ما وضح من استحالة حل الدولتين، ومع ما يؤذن بقبول حل رحيل الصهاينة عن المنطقة، إلى أوطانهم التي جاؤوا منها يومًا ما، من خلال مخطط عفن، عفا عليه الزمن.

رابعًا: يجب أن نعترف بأن الشعب الفلسطيني، وكذلك الشعب اللبناني، يخوضون معركتهم الآن، وللمرة الأولى، دون ظهير عربي، بل وسط دعم عربي للعدو من البعض، تمثل في أوجه عديدة، لا داعي للخوض فيها، وهو أمر مخز ومحزن ومؤلم في الوقت نفسه، لن يغفره التاريخ، قد يتسبب في نهاية الأمر في أزمات داخلية غير محمودة، وهو أمر يتطلب الإسراع بإعادة النظر قبل فوات الأوان، وهو ما أتوقعه، كلما طال أمد الحرب، بما يشير إلى حتمية فتح جبهات جديدة في المستقبل.

خامسًا: أعتقد أنه سوف يتم التعامل عربيًّا بجدية، مع المخاوف التي يبديها دائمًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حول أطماع إسرائيل فيما بعد فلسطين ولبنان، وهو الأمر الذي يجعل من الموقف التركي العربي مستقبلًا، إلى جانب الموقف الإيراني، عاملًا حاسما في الصراع، مع التراجع المؤكد للدعم الغربي الأمريكي للعدو، في ضوء اشتعال الأزمات مع كل من الصين وروسيا، فضلًا عن أزمات الداخل الغربي المتصاعدة.

وفي كل الأحوال، تبقى الصحوة الشعبية العربية، هي العامل الحاسم، الذي يخشاه الكيان، والذي يعتمد في مواجهتها الآن للأسف، على القهر والكبت من خلال الأنظمة المصطنعة، إلا أن شرارة واحدة من هنا أو هناك، كفيلة بتغيير قواعد اللعبة من النقيض إلى النقيض، وهو أمر أصبح وشيكًا، يرونه بعيدًا، ونراه قريبًا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان