حتى تضع الحرب أوزارها!

صورة من عام 2020 تجمع بين نتنياهو وترامب (الفرنسية)

لماذا تتفرق السُّبل بالعرب والطريق واحد ومعروف؟

يدقون على عشرات الأبواب الجانبية المغلقة، ويتجاهلون الطَّرق على الباب الرئيسي بحجة صلابته، ألا يجب مواصلة الطَّرق على هذا الباب حتى يُفتح لهم؟

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الجميع يعلم أن إيقاف تلك الحرب الدائرة التي تتسع ويلاتها مع مرور الوقت هو أمر بالغ الصعوبة ما دام نتنياهو على سدة الحكم، إلا إذا حقق هو -كما قال- انتصارات استراتيجية وتغييرات جذرية، تخص إعادة ترسيم الشرق الأوسط بما يخدم إسرائيل، أو على الأقل تغيير جذري في الحدود مع لبنان وفي داخل الأرض المحتلة مع غزة، وهو ما يعني إعلان الهزيمة الكاملة من قِبل محور المقاومة، وتأسيس مرحلة جديدة، لشرق أوسط إسرائيلي بالكامل.

أما السيناريو الآخر لإيقاف تلك الحرب بما يحفظ ما حققه محور المقاومة من انتصارات، فهو سيناريو إزاحة نتنياهو قسرًا من كرسي الحكم، سواء عبر استهدافه شخصيًّا بخطوات عسكرية مباشرة، أو استهداف الجبهة الداخلية وضربها بقسوة، واستثمار الحرب النفسية في ملفات “استعادة الأسرى” و”الشعور بالأمان” و”ضمان الاستقرار” للدفع نحو إزاحة النظام المتشبث بكرسي الحكم.

عندما تفشل الوسائل الدبلوماسية وكذلك العسكرية في إخضاع العدو وتطويع إرادته، وقتها تلجأ الدول المتحاربة إلى استعمال مواطن القوة المختلفة لضرب الجبهة الداخلية، وتلك العمليات تنزع ثقة الشارع بقادته وبقدرة حكومته على حمايته، وهو الأمر الذي يؤدي إلى أزمات داخلية تنهك قوى الأنظمة وتؤدي إلى تغييرها.

لذا قد لا نستبعد مع تطور الأمور، وعدم التزام الكيان بأي قواعد للاشتباك، أن يعيد حزب الله النظر في استبعاد استهداف المدنيين، وقد تُنفذ عمليات في الداخل الإسرائيلي ذات طابع بطولي نوعي تُحدث تغييرًا كبيرًا.

أوراق محور المقاومة

لإعادة تقييم الموقف وترتيب الأولويات، لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية:

هل يمتلك محور المقاومة أي أوراق سياسية وعسكرية يمكن من خلالها إيقاف الحرب بتضحياتها دون خسائر استراتيجية؟

وهل التفوق العسكري البري للمقاومة في الجبهتين الغزاوية واللبنانية سينجح في مواجهة خسة العدو الذي يلجأ إلى قتل النساء والأطفال والأبرياء العزل للتغطية على الهزيمة العسكرية، ولضرب الجبهة الداخلية؟

أما سؤال لُب الموضوع ومأزق الصراع وعقدة الحرب، فهو: ما استراتيجية محور المقاومة الآن لمواجهة سياسي فاق فعله ما فعله كثير من مجرمي الحرب، ولا يتورع عن فعل أي شيء من أجل البقاء على كرسي السلطة؟ هل يمكنك إقناع ذلك الوحش السياسي الذي يمتلك مفاتيح مخازن السلاح الغربي المدمر بالتوقف؟ خاصة أن الجميع يعرف -وهو على رأسهم- أن خروجه من السلطة يعني نهايته ومحاكمته على فشله السياسي وفساده المالي.

عملية “قيساريا”

ربما كانت أكثر الخطوات العملية لإنهاء تلك الحرب هي خطوة استهداف حزب الله غرفة نوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمسيَّرة مفخخة، وعلى الرغم من غياب نتنياهو وزوجته سارة عن المنزل في ذلك اليوم فإن الأمر قد أحدث دويًّا كبيرًا لثقله وقوة تأثيره، وليس الأمر كما روج البعض أن مكمن الخطورة يعود إلى نجاح المسيَّرة في تخطي الدفاعات الإسرائيلية حتى وصلت إلى قيساريا، وهو ما يعني أن ضرب قاعدة تدريب جولاني لم يكن صدفة فقد كانت ضمن بنك الأهداف. عمومًا ليس الأمر كما فُسر ظاهريًّا، ولكن الأهم في الأمر أنه لو نجحت المسيَّرة في إزاحة نتنياهو لتوقفت الحرب في أقرب فرصة، حتى لو حدث رد سريع، ساعتها من المرجَّح أن ينسى القوم ثأر نتنياهو الذي صار بدمويته وأنانيته عبئًا على الجميع، ويطالب الشارع الإسرائيلي داخليًّا، والمجتمع الدولي خارجيًّا، بالعودة إلى المفاوضات الجادة لعودة الأسرى وإيقاف الحرب.

على المستوى الشخصي، كانت عملية مسيَّرة قيساريا هي الدليل الواضح على استعادة حزب الله قوته السياسية والعسكرية، وتوازنه، وتعافيه بعد استهداف قادته بالعديد من عمليات الاغتيال، التي كان على رأسها اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله ومِن قبله فؤاد شاكر، ومِن بعده هاشم صفي الدين، إضافة إلى عملية تفخيخ “البيجر”، وعملية قصف اجتماع قادة الرضوان التي أشارت بعض التقارير إلى وجود 20 قياديًّا في المكان.

وقد جاء القرار المهم لتلك العملية ليثبت أن حزب الله ما زال زاخرًا بالقادة، ليس لأنها عملية موجعة، وذات دلالة ورمزية سياسية فقط، ولكن لأنها بحثت عن أصل المرض وسبب استمرار الحرب الدامية، وسعت لاستئصاله مباشرة والقضاء عليه.

فرص توقف الحرب

تحفل كتب التاريخ بعشرات الأحداث التي تشير إلى أن مقتل القائد أثناء الحرب في بعض الأحيان يكسر من شوكة الجيش بالكامل، كما يضاعف من فرص توقف الحرب خاصة إذا كانت دائرة وفقًا لرغباته، ودعمًا لمستقبله السياسي.

فلقد انتهت أسطورة التتار الذين لا يُقهرون في موقعة عين جالوت التي رآها معظم المؤرخين بداية نهاية الإمبراطورية المغولية، وقد وقعت الهزيمة بعد قتل القائد المغرور “كتبغا” مبارزةً بيد رجل يُدعى العرينان، بعدها انتهت المعركة بانتصار كاسح للمسلمين بقيادة سيف الدين قطز، وهزيمة مذلة للتتار، وهو الأمر الذي أنقذ حضارة الإسلام وأنقذ أيضًا العالم من خطر اجتياح التتار.

أما في معركة القادسية، فلم ينجح جيش المسلمين وعددهم 30 ألفًا بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص في هزيمة جيش الفرس وعددهم 120 ألفًا إلا مع قتل قائدهم رستم، ليشرع المسلمون بعدها في استكمال فتح بلاد فارس.

وتحكي كتب التاريخ أن استهداف المسلمين العرب لقادة الساسانيين في معركة القادسية وما بعدها، يعود إلى استراتيجية تتمثل في استهداف القادة تحديدًا لثقلهم العسكري ولفض تجمُّع الجيوش حولهم، في محاولة لتفتيت تحالف الفرس وتفريق الجيوش، وهو الأمر الذي حدث بالفعل بعد سقوط رستم، فقد لحق به القادة الآخرون، ما بين هلاك وفرار، كما انهارت معنويات كل الجيوش حتى لحقوا بقادتهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان