غزة تبدد “أوهام البريكس”

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يحيّي الرئيس البوليفي لويس آرسي خلال اجتماع على هامش قمة البريكس (رويترز)

تخيَّل أنك تدعو إلى إقامة نظام دولي جديد، يتحدى الهيمنة الغربية، ويهدف الى إعلاء صوت الجنوب المهمش.

على الفور سيكون عليك أن تقدم نموذجا مختلفا ليس في الاقتصاد فقط، ولكن أيضا في السياسة عبر مناصرة الشعوب الساعية للتحرر من الاستعمار.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الأسبوع الماضي، زعمت قمة تكتل دول مجموعة “البريكس” الموسعة في روسيا أنها تمضي على طريق كسر احتكار الدولار، وإيجاد عالم متعدد الأقطاب.

وبشرت أنها قريبا ستطرح عملة جديدة تناطح الدولار المهيمن، الذي يُستخدم أداة ضغط سياسي واقتصادي على دول العالم الثالث.

لكن المتأمل لطبيعة الأنظمة الاقتصادية لدول “البريكس” يجدها -للمفارقة- تتبني النظام الاقتصادي نفسه للغرب المتوحش، وهو “النيو ليبرالية”.

ومن يقرأ وثائق تأسيسها عام 2009 يلاحظ بوضوح أنها لا تقطع مع النظام العالمي الرأسمالي، ولا تسعى للخروج عليه.

القول شامخ والفعل ركام

وتمثّل دول “البريكس” مليارات الأشخاص عبر ثلاث قارات، مع اقتصادات تشهد مراحل متفاوتة من النمو، لكنها تتشارك أمرا واحدا هو ازدراء نظام عالمي تقول إنه يخدم مصالح القوى الغربية الغنية.

ويتزعم “البريكس” منافستا أمريكا الصاعدتان روسيا والصين، الراغبتان بدورهما في بسط نفوذهما وتحقيق مصالحهما الاستعمارية.

غير أن التكتل خطا خطوة جديدة في قمته الأخيرة بالانتقال من مربع الاقتصاد إلى السياسة، ويا ليته لم يفعل.

وعلى طريقة تلفزيونات العالم الثالث الحكومية، التي لم تر ثورات شعوبها، لم تُصدر القمة، التي ترأسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، كلمة إدانة واحدة للغزو الروسي لأوكرانيا.

لكن البيان الختامي للقمة تناول بلهجة غاضبة الأوضاع في الشرق الأوسط.

ودعا إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة والضفة الغربية، وأدان بقوة “الهجمات الإسرائيلية ضد العمليات الإنسانية والمرافق والأفراد ونقاط التوزيع”.

لكن هل انعكس هذا الموقف الإنشائي في تبنّي القادة لقرارات ملموسة، أو دفع -كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش- للانتقال من مربع الأقوال إلى الأفعال؟

الإجابة: لا كبيرة، والسبب ليس فقط لأن عددا من أعضاء التكتل يضبطون ساعاتهم على التوقيت الأمريكي، ولكن لأن معظمهم -وفي مقدمتهم روسيا والصين- يدعمون إسرائيل اقتصاديا، وفي عز زمن الحرب.

“بركة” نتنياهو

عندما يأتي الدعم المتواصل لحرب الإبادة في غزة من إدارة بايدن-هاريس، فالأمر طبيعي ولا يفاجئ أحدا.

لكن ما يحتاج إلى التأمل، كما يشدد موقع ” كاونتربنش” الكندي، أن يأتي الدعم من أربع دول من كتلة “البريكس”، ثلاث منها عربية.

دول منحها نتنياهو “البركة”، ولوَّنها بالأخضر على الخريطة، التي عرضها في 27 من سبتمبر/أيلول في الأمم المتحدة، وهي: مصر والإمارات والهند والسعودية، التي أعلنت موافقتها على الانضمام إلى “البريكس”، ثم علقت موافقتها.

وعادة ما تنضم إثيوبيا، وهي العضو الحديث في تكتل “البريكس” أيضا، خلال جلسات الأمم المتحدة، إلى قوى محور الإبادة، بالامتناع عن التصويت على قرارات إدانة إسرائيل.

الأرباح قبل الأرواح

الطغمة الحاكمة في دول “البريكس” مثل غيرها، لا يحكمها سوى لغة المصالح، طغمة تعبد إله الربح والتجارة لدي قدماء الرومان “مركوري”، وتتفانى في أداء طقوس الجشع.

وفي هذا السياق، تشير الحملة الشعبية لمقاطعة إسرائيل إلى أن موسكو، مؤسسة “البريكس”، أصبحت المورّد الأول للفحم لإسرائيل، كما تشغل محطة التصدير الرئيسية لكازاخستان، التي تُعَد أحد أكبر مورّدي النفط لإسرائيل.

والمفاجأة أن جنوب إفريقيا، التي ندّدت حكومتها بالإبادة الجماعية في لاهاي، تحتل المركز الثاني في تزويد تل أبيب بالفحم.

وعلى خطى روسيا، تسير بيجين، فقد حققت التجارة الصينية الإسرائيلية رقما قياسيا جديدا، وبلغت 20 مليار دولار سنويا، منها نحو 14.4 مليار دولار من الصادرات إلى إسرائيل (التي حلّت في المرتبة الأولى عالميا في عام 2022).

ويأتي ذلك على الرغم من زعم شركة “كوسكو” الصينية في ديسمبر/كانون الأول 2023 تجنب سفنها الرسو في الموانئ الإسرائيلية، وهو ما حصل نقيضه بعدها بشهر في فبراير/شباط الماضي.

حتى أنت يا “لولا”

وفي الوقت الذي تحاول فيه نيودلهي السير على حبل دبلوماسي مشدود، تشير بيانات الشركات إلى أن إسرائيل تتلقى أسلحة هندية.

وتزود الهند، الدولة المركزية في “البريكس”، إسرائيل بمعدات عسكرية، بما في ذلك طائرات مسيَّرة قاتلة تحلق على ارتفاع متوسط، من إنتاج شركة “أداني- إلبيت”.

وتُعَد نيودلهي خامس أكبر شريك تجاري مع إسرائيل، بنحو 5 مليارات دولار.

ورغم أن الرئيس البرازيلي اليساري “لولا دا سيلفا” لا يتردد في وصف العدوان الصهيوني على غزة بأنه إبادة جماعية، واستدعى سفير بلاده من تل أبيب، فإنه لم يُصدر حظرا على تصدير النفط، ويواصل تزويد إسرائيل بـ9% من احتياجاتها النفطية منذ بدء العدوان.

عرب في خدمة إسرائيل

تجد تل أبيب دائما دولا عربية تساندها، رغم مخططاتها المعلنة لتهجير الفلسطينيين بالقوة.

وكما يشير الصحفي الاقتصادي مايكل كاراجيس في موقع (ضد الإمبريالية) “تستورد إسرائيل كمية صغيرة لكنها منتظمة من النفط من جارتها مصر، العضوة الحديثة في “البريكس”، عبر سيدي كرير بالقرب من الإسكندرية، وهي المحطة النهائية لخط أنابيب سوميد. ويتغذى هذا الخط أيضا من نفط الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى العراق”.

ورغم المذابح اليومية فإن التطبيع العربي يستمر مع تل أبيب، وعلى سبيل المثال، سجلت التجارة بين الإمارات وإسرائيل زيادة بنسبة 5% في زمن الحرب، بفضل خدمات الشحن المتزايدة الأهمية عبر الطريق البري، في أعقاب استهداف الحوثيين للسفن المارة في البحر الأحمر.

مجندون ومرتزقة

وتتسم مجموعة “البريكس” الموسَّعة بالتنوع. ويشمل الأعضاء الجدد دولا ترزح تحت المظلة الأمنية الأمريكية مثل الإمارات، وأخرى خاضعة للعقوبات الأمريكية كإيران، ودول يشارك مواطنوها في حرب الإبادة.

ويخدم آلاف المهاجرين من إثيوبيا ومئات من الهنود مجندين أو مرتزقة في الجيش الإسرائيلي، إلى جانب عدد غير معروف من مواطني جنوب إفريقيا، وما قد يصل إلى عشرات الآلاف من الروس.

ويوضح الخبير الجيوسياسي البرازيلي بيبي اسكوبار “هناك أكثر من مليون حامل لجواز سفر روسي أو حاملي جوازَي سفر مزدوجي الجنسية يعيشون في إسرائيل. هذه مسألة معقدة للغاية، لأنه وفقا للدستور الروسي، يجب على روسيا حمايتهم. وحقيقة أن العديد منهم صهاينة متشددون وذوو عقلية إبادة جماعية، تجعل المشكلة أكثر استعصاء على الحل”.

اختلافهم رحمة

ظهر تكتل “البريكس” على خلفية أزمة الهيمنة الأمريكية ونظامها العالمي الرأسمالي الليبرالي، ومثّل أيضا رد فعل على عولمة حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وتمثل دول “البريكس” نحو نصف سكان العالم، وتنتج نحو نصف إنتاج العالم من النفط أيضا، لكنها لم تقدّم بديلا اقتصاديا أو سياسيا.

وبات التكتل -في نظر كثيرين- مجرّد نادٍ للدول الطامحة في الحصول على التمويل، أو لأداء دور قيادي كالصين، أو لفك العزلة الغربية مثل روسيا.

ورغم ذلك، فإن كل تعميق للتناقضات داخل الصف الإمبريالي مهم ومفيد لقوى التحرر، ويخلق هامشا للحركة، بل وقد يساعد النفوذ الاقتصادي لمجموعة “البريكس” في الحد من الاختلالات الاقتصادية الصارخة بين الدول الغنية والفقيرة.

ولكن دون أوهام حول دور” البريكس”، وإمكانية أن تعرف الإنسانية -في ظل قطب واحد أو قطبين استعماريين- عالما سعيد. ونظرة خاطفة إلى ما يجري في فلسطين، تكفي لتأكيد ذلك.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان