تفخيخ الجبهة الداخلية.. هل يصمد لبنان؟

الجزء الغاطس في الحرب أكبر كثيرًا مما يبدو من الويلات التي تطفو على سطح الأحداث، وما يحدث من تفخيخ وقصف للجبهة الداخلية في لبنان هو خير دليل على ذلك.
ولقد كثف الكيان الصهيوني من استهدافه لتلك الجبهة مؤخرًا على مرحلتين، كانت الأولى عقب عملية طوفان الأقصى مع إعلان الراحل حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله فتح جبهة إسناد غزة عبر الجنوب اللبناني تطبيقًا لوحدة الساحات ضد الكيان الصهيوني.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
أما المرحلة الثانية من تفخيخ الجبهة الداخلية اللبنانية التي تتم الآن بشكل مكثف وقوي، فقد بدأت مع اتخاذ الكيان قرار توسيع الحرب، وتم ذلك حتى قبل الإعلان عن اعتبار الجبهة اللبنانية هي الجبهة الرئيسية، وتزامن ذلك مع نجاح عمليات الاغتيال المختلفة لقيادات حزب الله والفصائل الفلسطينية في بيروت، ثم نجاح اغتيال إسماعيل هنية بطهران، مرورًا بالضجة التي أحدثتها عملية “البيجر”، حتى وصلت الأحداث إلى ذروتها باغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ثم قصف مكان اجتماع قادة الرضوان، الذي أشارت بعض التقارير إلى وجود 20 قياديا فيه.
وهنا شعر الكيان زيفًا بأن الأرض ممهدةً لتغيير واقعها، فخرج بنيامين نتنياهو في زينته يتيه كبرًا في خطابه الاستعراضي الشهير الذي أكد فيه أن تل أبيب قد دخلت مرحلة جديدة من الحرب، وأنهم بدؤوا للتو ويعملون على تغيير خريطة الشرق الأوسط.
لكن غطرسة نتنياهو لم تستمر وقتًا طويلًا؛ فسرعان ما أفزعته الضربة الإيرانية التي أعادت ساسة ومواطني تل أبيب إلى رشدهم، ثم جاء صمود المقاومة اللبنانية وتفوقها في المواجهة البرية على الأرض ليعيد المحتل إلى سيرته الأولى، وهي الخسة في استهداف الأبرياء لتعويض الفشل العسكري، إلا أنه من الواجب التنبيه إلى أن استهداف الأبرياء والمرافق المدنية يأتي في إطار خطة أكبر لتفخيخ الجبهة المدنية والعمل على انهيارها حتى تصبح عاملًا مساعدًا على هزيمة المقاومة عسكريًّا، فما هي وسائل ومظاهر القصف المكثف للجبهة الداخلية؟
لا شك أن التركيبة اللبنانية بخصائصها الطائفية والسياسية والاقتصادية هي أرض خصبة للصيد في الماء العكر من قبل العدو، خاصة في أوقات الحروب والأزمات.
ويمكن رصد أساليب وحيل العدو الصهيوني لتفخيخ الجبهة الداخلية اللبنانية في المحاور التالية:
استثمار القصف
لا ريب في أن بعض صناع القرار السياسي والاستخباري الإسرائيلي يساهمون في تحديد المحاور الرئيسية التي يتم على أساسها اختيار بنك أهداف القصف الجوي في لبنان، حتى يساعدهم ذلك على ضرب الجبهة الداخلية اللبنانية، ولقد وجه نتنياهو مؤخرًا أمرًا إلى جيشه يطلب فيه عدم ضرب بيروت إلا بأمر منه، إلا أنه سرعان ما تراجع عقب عملية بنيامينا، وقد يندهش البعض من قصف العدو الصهيوني لمحطات الكهرباء والماء والمستشفيات والكنائس والمساجد والمخابز والأسواق والمرافق الحيوية، ويتخيل أن الأمر يأتي فقط من باب الانتقام بعد الفشل العسكري بريًّا، إلا أن ذلك له أهداف إضافية تتعلق بتماسك الجبهة الداخلية ومحاولة سحق البيئة الحاضنة للمقاومة، ومضاعفة معاناة المواطنين وتأليب الرأى العام ضد الحرب حتى وإن كانت حربًا للدفاع.
الحرب النفسية
يعمل المحتل على زعزعة الجبهة الداخلية بشن حرب نفسية عبر استخدام وسائل الإعلام وشبكات الأخبار، وكُتاب الصحف، والمؤثرين، ومشاهير القوة الناعمة، واللجان الإلكترونية، وذلك لبث روح الهزيمة والفرقة الطائفية، ونشر الإحباط وإضعاف المعنويات بنشر الأخبار الكاذبة، والتهوين من انتصارات المقاومة، وتهويل قدرات العدو.
ولا يخفى على أحد أن طوفان المقالات والتقارير المتزامنة مع اغتيال قادة حزب الله، قد نادت جميعها وفي هذا الوقت الحرج بتغييرات سياسية كاملة في الوضع اللبناني لا تخضع لأي محددات سابقة، على أن يتم في التو اختيار رئيس جديد للبلاد، كما طالبت تلك الأبواق بأن تكون الكلمة للشارع اللبناني الذي يعاني من دفع فواتير لا دخل له فيها، في حين حرّض بعضها رئيس الوزراء نجيب ميقاتي على سحب “المليشيات” من الحدود حسب تعبيرهم مع بناء مؤسسات أمنية تحمي البلاد دون الاعتماد على “المليشيات”!! وهو ما يعني إفساح الطريق لنتنياهو لتحقيق ما يحلم به من شرق أوسط جديد.
ولا يقتصر استخدام وسائل الإعلام على شن الحرب النفسية ونشر الإحباط وتثبيط الهمم بل امتد الأمر إلى استخدام الإعلام كجبهة ترويج وإسناد، وأبرز دليل على ذلك ما حدث من مطالبة حزب الله باتخاذ إجراءات ضد مؤسسات صحفية رافقت جيش الاحتلال في جولة بإحدى قرى جنوب لبنان، والغريب أن تلك المؤسسات تعتبر هي الكبرى في العالم، إلا أن ذلك لم يمنع مراسليها من مرافقة جيش الاحتلال في انتهاك لحرمة أرض دولة محتلة.
الضغط السياسي والاقتصادي
سعى العدو منذ تصاعد الأحداث إلى الاستعانة بأوراق الضغط السياسي والدعم الاقتصادي من قبل الدول الحليفة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا لمساومة السلطة القائمة ومن خلفها الأطراف السياسية المناوئة، مع استثمار ورقتي الأطماع الطائفية والخصومة التاريخية.
ولقد شهدت بيروت منذ اغتيال نصر الله زيارة العديد من مبعوثي الدول الغربية للتأكيد على حكومة ميقاتي بأنه قد آن الأوان لإقصاء حزب الله من المشهد، وهو الأمر الذي قضى عليه الحزب في مهده بعد صموده وثباته العسكري، وتعزيز ذلك بوصول صواريخ بالستية إلى عمق إسرائيل، إضافة إلى نجاح طائراته المسيّرة في تنفيذ عملية “بنيامينا” الفارقة.
التدخل الاستخباري
لا يحتاج التدخل الاستخباري المباشر وغير المباشر من قبل المحتل في قلب لبنان إلى دليل، وإذا كان هذا التدخل قد حقق للمحتل من قبل انتصارات نوعية على الأرض، فمن السهل له استثماره لزعزعة الجبهة الداخلية.
حيث تعمل تلك العناصر إضافة إلى عمليات التعقب والاغتيال لقيادات وأفراد المقاومة على تنفيذ عمليات تخريبية يصعب تنفيذها إلا بوجود جواسيس على الأرض، وتلك العمليات تتسبب في بث الخوف ونزع الطمأنينة من الشارع، وهو ما يعزز الفراغ الأمني الداخلي أثناء الحرب.
ولقد أعلنت السلطات اللبنانية الأسبوع قبل الماضي توقيف صحفي أمريكي بتهمة التجسس لصالح الاحتلال، وقد ضُبط هذا الصحفي وهو يتجول في الضاحية الجنوبية، وعند تفتيشه عثر معه على جواز سفر إسرائيلي، وقد وصل قبل أسبوعين من اعتقاله وترحيله.
أما التدخل الاستخباري غير المباشر فيأتي من خلال الدول الداعمة للكيان سواء جويًّا عبر أقمار وطائرات التجسس، كما أشار إلى ذلك موقع “DECLASSIFIED UK” المهتم بالشأن الاستخباري، حيث كشف عن تعاون وحدة الحرب النفسية البريطانية مع الجيش الإسرائيلي، كما كشف نفس الموقع عن تعاون طوال أيام الحرب بمشاركة بريطانيا بطلعات جوية عبر طائرات التجسس، ولا غرابة في الأمر خاصة مع معرفة أن لوبي إسرائيل هناك هو الذي مول نصف حكومة كير ستارمر في الانتخابات الأخيرة، كما أن منح التمويل اليهودي لحزب العمال لم تنقطع طوال أيام الحرب، بل امتدت لتشمل موظفي البرلمان البريطاني.
وخير شاهد على استنفار عدد من وكالات الاستخبارات الغربية لمساندة إسرائيل هو ما نشر بجريدة الأخبار اللبنانية عن وصول فريق أمني أمريكي يضم 15 ضابطًا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) إلى مطار بيروت، حيث غادر الفريق المطار في قافلة من السيارات المصفحة التي لا تحمل لوحات معدنية، وتوجهوا إلى مقر السفارة الأمريكية.
