شرابي وستورك عند العرب وواشنطن 2024

بمناسبة الجدل حول تصويت العرب الأمريكيين في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة 2024، وتفرق أصواتهم بين مرشحة حزب الخضر جيل ستاين المناصرة للحق الفلسطيني وترامب وهاريس والمقاطعة، تذكرت الراحلين هشام شرابي وجو ستورك.
وكنت محظوظا خلال مسيرتي المهنية بأن التقيت الاثنين، وتحاورت معهما. الأول وهو من هو فكرا وحركة بين رموز الأمريكيين ذوي الأصول الفلسطينية حواره منشور بعدد 29 مارس/آذار 2000 بجريدة “الأهرام”. أما الثاني فحاورته لجريدة “الوقت” اليومية البحرينية، بعد لقاءات تعددت خلال زياراته للقاهرة ممثلا لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” الحقوقية الأمريكية، خلال سنوات الانفتاح أو السماح النسبي في منتصف العقد الأول من الألفية.
مقارنات مع لحظة
انتخابات نوفمبر 2024
مقارنة راهن أحوال الأمريكيين العرب، والفلسطينيين على نحو أخص، مع ما كان قبل نحو ربع قرن، تفيد بداية بغياب نسبي لرموز لها حضور ثقافي وسياسي معا، يمتد إلى العالم العربي. وكما كان بشأن شرابي مؤسس صندوق القدس ومركز التحليلات السياسية حول فلسطين 1990، ومن قبل العديد من المؤسسات والمسؤوليات الفكرية والثقافية منذ بداية السبعينيات. وأيضا إدوارد سعيد، وإن كان أقل إرثا على مستوى بناء المؤسسات مقارنة بشرابي. وكذا النائب الأسبق بكونغرس السبعينيات جيمس أبو رزق مؤسس “اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز”، وجيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأمريكي بواشنطن، وكلاهما من أصول لبنانية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولا أعرف هل يجوز افتراض أن المؤسسات ذات العناوين الإسلامية أصبحت منذ بداية الألفية في الصدارة، ومثال ذلك مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)؟ وبالطبع لا ينكر منصف دور المجلس المقدر، وبخاصة بعد حدث 11/9/ 2000، في تمثيل العرب والمسلمين ومواجهة صعود الإسلاموفوبيا. لكن علينا الانتباه إلى كون المسيحيين ما زالوا الأغلبية بين عرب الولايات المتحدة، بنسبة لا تقل عن الثلثين.
تأمل سيرتي هشام وإدوارد (مسلم ومسيحي من عائلتين فلسطينيتين) -كما أخبرني الصديق والزميل الكاتب الصحفي التونسي كمال العبيدي المقيم بالولايات المتحدة- يفيد بأثرهما الممتد منذ نحو نصف قرن في طلاب الجامعات الأمريكية، وعيا بالقضية الفلسطينية وملفات منطقتنا، وتكوينا منهجيا أكاديميا متحررا من تحيزات الكولونيالية والصهيونية.
وأظن أن محاولة فهم صعود الحركة الطلابية الأمريكية المتفاعلة حاليا إيجابا مع “طوفان الأقصى” وما تلاه لا يمكنها إنكار البذور التي نثرها هذان المفكران الفلسطينيان وأمثالهما، وكوكبة من المفكرين الأمريكيين من أصول غير عربية أو إسلامية مثل نعوم شومسكي وآخرين.
في نقاش مع الصديق التونسي عبر الماسينجر تبين لنا أهمية مسار الاستقلالية الذي اتخذه هشام وإدوارد في بناء مكانتهما وفاعلية تأثيرهما. وجاءت اتفاقات أوسلو لتختبر صلابة هذه الاستقلالية، حتى عن سلطة ولدت من رحم حركة تحرر وطني (منظمة التحرير الفلسطينية).
هل كان تفاؤل
شرابي في محله؟
أعود إلى ما قال شرابي في حواره، حيث بدا متفائلا قبل نحو ربع قرن عندما راهن على جيل جديد من شباب العرب بالولايات المتحدة، ولد بها، ويعي ويتصرف بثقة كونه أمريكيا كامل المواطنة حقوقا وواجبات. وحينها قال عن نفسه نصا، وهو المولود بيافا 1927: “عشت 50 سنة بشعور أنني أجنبي أحمل جواز سفر أمريكي”.
بل حلق بتفاؤله إلى حد توقع بلوغ العرب في غضون 15 أو 20 عاما ما وصل إليه اليهود من مكانة وتأثير في مؤسسات النظام الأمريكي، وكحصاد نحو سبعين سنة سابقة على 2000 من جهود المنظمات الصهيونية وغيرها.
لعل شيئا من توقعات شرابي قد تحقق مع بلوغ أربع سيدات من أصول عربية عضوية الكونغرس اعتبارا من عام 2018، وهن: اللبنانيتان دونا شلالا وديبي باول يونس، والفلسطينية رشيدة طليب، والصومالية إلهان عمر، وجميعهن من مواليد الولايات المتحدة.
ومع هذا لم تصل توقعاته إلى غايتها ومداها، وربما جراء تطورات جسام خفضت سقف الآمال؟ ومعها قوة تشابك المصالح الاستراتيجية بين الصهيونية ومراكز النفوذ في بنية النظام الأمريكي.
ويظل صحيحا إلى الآن قول شرابي عن ضعف تنظيم العرب الأمريكيين، وانصراف جمهورهم عن الأحزاب والسياسة، وكونهم أشبه بالأيتام إذا ما قورنوا بعلاقة اليهود، الصهاينة بالأخص، مع السفارة الإسرائيلية. ومع هذا، يلفت النظر انتقال نخبة العرب الأمريكيين من “الرموز الفكرية الأكاديمية” إلى “الساسة الممثلين” بكل هذا الحضور في المؤسسات الحاكمة.
جو الكاتب والباحث
والمناضل والحقوقي
في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2024، توفي الأمريكي جو ستورك قبيل الانتخابات الأمريكية بأيام. ويستحق هذا المثقف بدوره الاهتمام والتقدير لجهوده من أجل الشعوب العربية إجمالا، وفلسطين خصوصا.
وكنت قد تذكرته عندما طالعت تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية في مايو/أيار 2021 بعنوان “تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”، الذي يمثل نقلة نوعية في خطاب ومواقف كبريات المنظمات الحقوقية الدولية اتجاه فلسطين مع توصيف استعمارها “بالأبارتهايد”.
هذه الوثيقة الحقوقية العالمية من حصاد جهود الرجل على مدى نحو 26 عاما الذي كان كـ”دينامو” لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمنظمة، منذ أن التحق بها 1995. وأيضا عبر مشاركته في بعثات تقصي حقائق ميدانية، وتحدثه أمام لجان الكونغرس مدافعا عن حقوق الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم من شعوب المنطقة، وانتقاده للسياسات الرسمية الأمريكية.
بعد أيام من رحيله، وصلت إلى بريدي الإلكتروني رسالة من دورية “تقرير الشرق الأوسط” التقدمية الأمريكية (ميريب)، تنعاه بملف معتبر، وبوصفه من مؤسسيها، وأول رئيس تحرير لها، منذ عددها الأول 1971 حتى انتقاله إلى “الووتش”. و”ميريب” استطاعت شغل مكانة مرموقة بين الكتابات الجادة المنصفة لفهم الشرق الأوسط، وكان صحفيون وباحثون في القاهرة والإسكندرية وكبريات المدن العربية يترقبون وصول أعدادها الصادرة كل شهرين، وذلك قبل أن تتحول إلى موقع إلكتروني بعد عقد التسعينيات.
يوثق ملف “ميريب” عن ستورك أول كتاباته المنشورة عن القضية الفلسطينية، بعدما عاد من جولة بمخيمات اللاجئين في لبنان والأردن 1970 بتقرير صحفي بعنوان “فلسطين ثورة”. وكان لم يتجاوز عمره 27 سنة، وجاء من صفوف اليسار الأمريكي الجديد والنضال الطلابي بالجامعات ضد الحرب الإمبريالية في فيتنام ومصالح كبريات الشركات الرأسمالية وصناعة السلاح.
وكان من اليسير عليّ وعلى غيري أن نتبين خلال لقاءات معه بوصفه حقوقيا أمريكيا بارزا كيف ينتمي إلى هذا النوع الإنساني المناضل، خلافا لما يطبع سلوك غيره من “الحقوقيين الموظفين”، ممن يتخذون العمل بالمنظمات الحقوقية، وبخاصة الدولية، وسيلة لكسب المال والوجاهة ليس إلا، ولو كانوا من بني جلدتنا.
***
من المؤسف أن يصبح ستورك قبل رحيله بسنوات ممنوعا من دخول العديد من الدول العربية لدفاعه عن حقوق وحرية الإنسان والشعوب العربية، وانتقاده لسياسات واشنطن وتل أبيب، ودعمهما للدكتاتورية والفساد بمنطقتنا، وهو الذي سمّى بناته الثلاث من زوجته برسلا: نورا وظافرة وليلى. ومن المؤسف أيضا أن هشام شرابي وأمثاله من رموز الفكر والعمل العربي الأمريكي من أجل القضية الفلسطينية وحقوق شعوبنا، يبدون وكأنهم طي النسيان.
وهذا المقال مجرد تحية متواضعة لهما، ولكل ما يمثلانه من قيم وجهود، يمكن البناء عليها اليوم ومستقبلا. وهو أيضا دعوة إلى الاهتمام بما تركه هؤلاء الراحلون المحترمون من كتب ودراسات وأعمال ومؤسسات وتقاليد عمل ومآثر سلوك خدمة لقضايا فلسطين والشعوب العربية كافة.
