“عرافة” عمرو أديب.. وليلة خداع “السائق الأمين” لوسائل الإعلام

من استضافة عمرو أديب لما يصفها بخبيرة "التاروت" بسنت يوسف (منصات التواصل)

تتوالى علينا في السنوات الأخيرة ممارسات إعلامية، تُعد من قبيل المساخر والمهازل تركيزا على التافه من الأمور، فالوسيلة الإعلامية سواء صحافة مكتوبة (ورقية أو إليكترونية) أو مسموعة أو مرئية، لها أدوار مهمة تؤديها لصالح المجتمع والجمهور المستهدف، فهي منصة لتداول الأفكار والآراء والمعرفة، للارتقاء بثقافة الجمهور وبناء الوعي لديه، وليس تغييبه، وكذا نشر المعلومات الموثوق بها، والأخبار الصحيحة، وليس ترويج الشائعات، والقصص المُفبركة، أو البطولات الزائفة والمفتعلة، أو نقل “بوستات” وتغريدات من صفحة هنا أو هناك على مواقع التواصل الاجتماعي، دون التحقق من صحة محتواها.

قصة السائق الأمين

فالمتلقي مشاهدًا كان أو مستمعًا أو قارئًا، يتوسم المصداقية في الوسيلة الإعلامية، والاهتمام بشواغل حياته اليومية ومُشكلاته وآماله وطموحاته، وليس إغراقه في التفاهات على شاكلة مشاجرة فنانة مع زوجها أو طلاقها وعودتها، وما إلى ذلك مما يحتسب إلهاءً وهروبا من المهام الجوهرية للصحافة، فالأيام القليلة الماضية وحدها شهدت واقعتين أتوقف عندهما، فكلتاهما سقطات كاشفة عن مدى اللهو والهزل والعبث الفارغ، استخفافا بعقول الناس، وتغييبا للوعي لديهم، وأول هذه السقطات أزاح عنها الستار بيان رسمي لوزارة الداخلية المصرية أمس (الأربعاء)، كاشفا عن واقعة مُختلقة جملة وتفصيلا تتعلق بليلة، خدع فيها سائق “تاكسي” وسائل الإعلام المصرية كلها (إلا نادرا)، وتلاعب بها، وأفقدها المصداقية. الواقعة حسبما بثتها الفضائيات، ونشرتها الصحف، والمواقع الإلكترونية الرصينة (فرضا)، تتلخص في أن سائق “تاكسي”، “أمينًا”، يُدعى (س. ج- 38 سنة)، بمحافظة مرسى مطروح (شمال غرب مصر) عثر على كيس كبير فيه ثمانية ملايين جنيها، وأن السائق أعلن بصفحته الشخصية على “فيس بوك”، عن عثوره على مبلغ مالي كبير، وكتب رقم هاتفه النقال، وبعد ساعات قليلة تواصل معه صاحب الأموال واستعادها، وعرض مليون جنيه على السائق، لكن الأخير رفض تقاضيها.

لجلب الشهرة والتبرعات

على مدار يومين، راحت الفضائيات المصرية، تبث مُداخلات متلفزة مع السائق يروي فيها الحكاية، مع تفصيلات أكثر جاذبية في كل مرة. المواقع الصحفية الإلكترونية بدورها تسابقت بوساطة مراسليها في مطروح، في البث المباشر مع السائق على صفحاتها التواصلية، مع الإشادة والمديح بالأمانة، والقناعة وعفاف النفس للسائق البسيط، لرفضه مليون جنيه، رغم تواضع حاله واحتياجه للمال، ثم تأتي الصدمة في “بيان الداخلية” بأن الواقعة مختلقة، وأن القصة كلها خدعة، اختراعها سائق “التاكسي” طمعا في الشهرة، وجلب التعاطف والتبرعات، كي يُصلح بيته، إذ يعيش مع أولاده في غرفتين من دون سقف. مع النشر والبث، تلقى السائق 300 مكالمة خلال ساعتين (حسب وزارة الداخلية)، وانهالت عليه التبرعات، في صورة تحويلات على محفظة هاتفه.

مداخلات تلفزيونية.. وبث مباشر مع سائق مطروح

لا جدال أن القصة حسبما جرى ترويجها جديرة باهتمام وسائل الإعلام، لولا أنها واقعة مُفتعلة من الخيال. “اللوم” هنا على الصحافة المرئية والمكتوبة التي تكالبت على “السائق” في مداخلات وبث مباشر، فما دام هو المصدر، الراوي للقصة، فالواجب على “مراسلي الفضائيات والصحف”، التحري عن سلامة الواقعة من قسم الشرطة المختص، فإن كانت صحيحة تكون اللقاءات مع صاحب المال والسائق والشهود، وكل من يمُت للواقعة بأي صلة، فالمنطق يقول بأنه إذا عثر مواطن على مثل هذا المبلغ الكبير، فإنه سيسلمه إلى الشرطة، ويُحرر محضرا بالواقعة، لكننا في زمن يقود فيها بعض وسائل إعلامنا، أشباه إعلاميين، وأنصاف صحفيين، لا يفقهون أوليات الممارسة الصحفية، فإذا كان مراسل ما، لصحيفة أو فضائية، التقط القصة من “فيس بوك”، فكان على مُشغليه، تذكيره بالمسار الصحيح، بحثا عن إجابات وافية للأسئلة التي تثور بشأن الواقعة حتى يكتمل الخبر. لو حدث هذا لما سقطت الصحافة في هذه المقلب السخيف، ولكانت قد كشفت الكذبة، وحالت دون وقوع الجمهور فريسة لخدعة السائق وأوهامه.

الأرواح والشياطين

الواقعة الثانية، هي استضافة الإعلامي عمرو أديب لعرافة توصف بخبيرة “التاروو أو التاروت”، تُدعى بسنت يوسف، كي تمارس التنجيم لعام 2025، كما هي عادته كل عام في استقدام العرافات أمثالها، وليلي عبد اللطيف المُسماة بسيدة التوقعات. أديب، راح يسأل الضيفة عما تقوله أوراق “التاروت”، عن العام المقبل، بالنسبة لسعر الدولار، وسد النهضة، ومستقبل نجم نادي ليفربول محمد صلاح، والفنان عمرو دياب، وغيرهم. العرافة أو خبيرة “التاروت” تُقلِب أوراقا تشبه أوراق اللعب (الكوتشينة في مصر)، ثم تُخبرنا باستقرار الدولار، وإنجازات اقتصادية مصرية، وأن سنة 2025 ستكون غير مسبوقة في التاريخ، وفيها زوايا تاريخية لم تحدث منذ 5000 عام. أول ظهور لأوراق “التاروت” كان بإيطاليا في القرن الخامس عشر، وهي مكونة من 78 “كارت”، تحيط بها معتقدات وأساطير خرافية، مرتبطة بالأرواح والشياطين التي تتدخل أحيانا لاختيار الورقة للفرد. “التاروت” مقسمة إلى مجموعتين الأولى 56 ورقة وتسمى السر الأصغر، بينما الباقي 22 ورقة يطلق عليها السر الأعظم.

ترويج الخرافات وتغييب الوعي

لدى الذين يصدقون “التاروت” يعتقدون أن أوراقها تفسر حالة الشخص العاطفية، واحتمالات الفشل في الحب والعمل والمال والموت والزواج. مزعج ومحزن أن تكون العرافة بسنت يوسف أو غيرها، هي الخبيرة التي تفتي بشأن الدولار الذي لا يكف عن سحق الجنيه المصري. ما خبراتها الاقتصادية ومؤهلاتها؟ لماذا علينا في عصر العلم والتخصص والذكاء الاصطناعي، الاعتماد على عرافة لحل مشكلاتنا، فهل هي خبيرة بكل شؤون الكون؟ لماذا هذا التغييب للوعي ترويجا للخرافات والأساطير، بما يؤدي لشيوع الدجل والإيمان بالسحر والشعوذة، وغيرها مما ينحي العلم، ويُقصيه؟

ليت الإعلاميين يكفون عن هذا اللهو والهزل، فقد ودعت الأمم المتقدمة هذه الخرافات، وخاصمت الجهل، وقطعت الوصل مع العرافين والمنجمين، منذ قرون.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان