سنة أخرى من الانتكاسة العربية!

بينما تتأهب سنة 2024 لتطوي آخر أوراقها استعدادا للرحيل، تاركة وراءها حروبا وصراعات وأزمات سياسية واقتصادية، كان لمنطقة الشرق الأوسط النصيب الأكبر منها، يستقبل العالم سنة جديدة، يلاحقها لهيب الأزمات والصراعات، التي تزيد من تعقيدات الحاضر، وتضيف مزيدا من الضبابية على استقراء المستقبل، خاصة في المنطقة العربية.
وفي ظل حالة من عدم اليقين، هي السمة الأبرز لعالم اليوم، تتزاحم الأسئلة حول المستقبل في العالم ومنطقة الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
يعيش العالم حالة من التغيرات المتسارعة، وتساقط القناعات المترسخة، وفي الوقت الذي تتداخل المؤثرات وتتشابك مع بعضها، ويصبح من الصعوبة قياس أوزانها وتأثيراتها، تزيد ضبابية الرؤية للواقع، ويصعب بالتبعية استشراف المستقبل.
أزمات عربية نتاج تراكمات عبر الزمن
سنة أخرى مثقلة بالانتكاسات العربية تُطوى صفحاتُها، عنوانها الأبرز “الإبادة المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في غزة”، تضاف إلى سنين من الانتكاسات المتواصلة منذ عقود.
صراعات دامية، وانتكاسات سياسية واجتماعية تضرب العالم العربي، ضحيتها الإنسان وقيمه، تعمق يوما بعد آخر مأساة الإنسان العربي المعاصر، وتزيد من رداءة الواقع العربي، في ظل عالم تعصف به تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية.
لم تكن الأزمات التي تعيشها المنطقة العربية اليوم وليدة اللحظة، ولكنها نتاج تراكمات عبر الزمن للأوضاع السياسية والاجتماعية.
وتتجلى أزمة المنطقة العربية وما تعانيه من انتكاسات، في أنها تعيش مخاضا عسيرا، تعاني خلاله أعراضا مرضية، حيث إن القديم مآله إلى زوال، في الوقت الذي ما زال الجديد متعسرا في ولادته، وهذا هو واقع المنطقة اليوم.
يزعم كاتب هذه السطور، كما يزعم آخرون، أن المنطقة تحمل أسباب عدم استقرارها، فمنذ انتهاء حقبة الاستعمار الأجنبي المباشر، لم تشهد المنطقة بناء دولة مستقرة، والمقصود هنا بالدولة المستقرة، هي: الدولة التي نجحت في تحقيق الشرعية والسيادة والمواطنة والتنمية المستدامة.
ولذلك، أعتقد أنه نتيجة لإخفاقات الحوكمة المتواصلة – التي تعني الإدارة الرشيدة لمؤسسات الدولة-، فقد عانت المنطقة من تحديات سياسية داخلية، تتمثل في تغول التسلطية، وتعمق الفساد، وغياب المساءلة، ويضاف إلى ذلك التحديات الجيوسياسية، التي عكستها النزاعات الإقليمية، والتنافس الطائفي، والتدخل الأجنبي.
اتساع الهوة بين النظم العربية وشعوبها
بعد عقود من رهان الشعوب العربية على دولة ما بعد مرحلة الاستعمار الأجنبي، فشلت أغلب أنظمة الحكم العربية في تحقيق تطلعات شعوبها، وجاءت الثورات العربية لتعلن انهيار تلك المرحلة، وضرورة تغيير عدد كبير من النظم العربية القائمة.
لكن النظم الحاكمة بدلا من أن تبادر بعلاج جذور المشكلات التي قادت إلى الحراك الثوري، إذ بها ترفع تكلفة هذا التغيير عبر وضع الشعوب في مواجهة مع مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه لا تتخذ خطوات جادة نحو تصحيح المسار، بل تعمد إلى اتباع سياسات تعمق من المشكلات، وتمارس مزيدا من القمع والظلم الاجتماعي، ومؤخرا جاء موقف النظام الرسمي العربي العاجز اتجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، ليعمق الشعور بالمهانة لدى الشعوب العربية.
وفي ظل هذا الوضع، فقد زاد اتساع الهوة بين الشعوب العربية والنظام الرسمي العربي، وهو ما يهدد بمزيد من عدم الاستقرار بالمنطقة، ويضيف المزيد في رصيد انتكاساتها.
الإبادة في غزة وانهيار النظام الرسمي العربي
لقد كشفت حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد غزة، وكذلك الحرب على لبنان، إلى أي مدى بلغت انتكاسة النظام الرسمي العربي، فعلى مدار أكثر من عام غاب الفعل العربي في مواجهة التطرف الإسرائيلي المدعوم أمريكيا وغربيا.
لقد كان بوسع الدول العربية أن تفعل الكثير لإيقاف المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة والضفة، وكذلك المجازر التي وقعت بحق اللبنانيين في جنوب لبنان، لكن النظام الرسمي العربي ظل يراوح مكانه في ساحة الشجب والتنديد، وغابت الإرادة العربية في الوقت الذي كان يستوجب أن تكون في أوج حضورها لوقف الإبادة الجماعية، بحق إخوة في الدين والعروبة والإنسانية.
لقد كان الموقف الرسمي العربي إزاء الحرب الوحشية ضد غزة ولبنان إعلانا لا لبس فيه بوفاة النظام الرسمي العربي، ومن ثم وجب سرعة تكفينه ودفنه.
ماذا وراء الانتكاسة العربية؟
تقف وراء الانتكاسة العربية أزمة ضربت النظام الرسمي العربي وإصابته بالتكلس، وجعلته عاجزا عن مواجهة مشكلات الداخل وتحديات الخارج، يمكن إجمال مظاهرها، بحسب ما يراه العديد من الباحثين، في: هشاشة الدولة العربية وضعف مؤسساتها، وعجزها عن بناء دولة عصرية، إضافة إلى غياب الديمقراطية، وفقدان الزعامات السياسية القادرة على القيادة الشعبية، وعدم وجود رؤية استراتيجية لإدارة الشؤون السياسة والعلاقات الدولية.
والجدير بالذكر، أن النظام الرسمي العربي لا يحتاج إلى مؤسسات جديدة للخروج من أزمته ووقف تواصل الانتكاسات العربية، ولكنه يحتاج إلى تفعيل المؤسسات، وتحويل المشاريع العربية المشتركة إلى واقع ملموس على الأرض، وهو ما يتطلب إرادة سياسة جادة مؤمنة بحاجة النظام العربي لتحويل الشعارات إلى إنجازات. تتعدد الأسئلة عن أسباب الانتكاسات العربية، ولكن هناك إجابة يراها كثيرون شافية، تتلخص في الديمقراطية، والتي يدور الوصول إليها في حلقة مفرغة، خاصة أن قرار الإصلاح الديمقراطي الذي يمثل عملية تغيير جذري، هو في قبضة من يرون التغيير في غير مصلحتهم.
ختاما
رغم مرور عقود من الزمن، فإن المنطقة العربية ما زالت على موعد مع عدم الاستقرار، إذ يبدو الاستقرار مطلبا بعيد المنال، في ظل تشبث دول المنطقة ونظمها بالحفاظ على الوضع الراهن، ويواكب ذلك دعم أمريكي وغربي لبقاء الوضع على ما هو عليه، حيث تراه يلبي مصالحها، حتى ولو كان مخالفا لتطلعات شعوب المنطقة، وهو ما يعني أن المنطقة ستظل على موعد مع مزيد من الانتكاسات سنة تلو الأخرى.
