الصحافة المصرية.. من الذي يكتب؟

صحف مصرية في أحد أكشاك البيع بمحافظة الإسماعيلية (رويترز)

بسخريته اللاذعة التي ميزت شعره العامي تهكم أحمد فؤاد نجم (1929-2013)، على أحوال الصحافة المصرية بعد ثورة يوليو/تموز 1952 حين قال “كان عندنا 3 جرايد تحس إن اللي كاتبهم واحد”.

كان “نجم” شاعر العامية الساخر الذي عرف بـ”الفاجومي” يقصد صُحف “الأهرام” و”الأخبار” و”الجمهورية”، وهي الصحف اليومية الأقدم في مصر، إذ تأسست “الأهرام” عام 1875 في الإسكندرية على يد الأخوين اللبنانين سليم وبشارة تقلا، بينما تأسست دار “أخبار اليوم” في القاهرة عام 1944 على يد الأخوين مصطفى وعلي أمين، وكانت “الجمهورية” التي تأسست في 1953 هي صنيعة وصوت النظام الجمهوري الذي نشأ عقب قيام رجال ما عرف بتنظيم “الضباط الأحرار” في الجيش المصري بإزاحة الملك فاروق الأول الذي حكم بين عامي 1936 و1952.

 

تنظيم وتأميم

في 24 مايو/أيار 1960 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قانون “تنظيم الصحافة” الذي عرف بقانون “تأميم الصحافة”، والذي انتقلت بموجبه ملكية الصحف من الأفراد والعائلات والشركاء إلى التنظيم السياسي الوحيد الذي كان موجودًا وقتها، وهو “الاتحاد القومي”.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

بموجب هذا القانون انتقلت إلى “الاتحاد القومي” ملكية صحف، وممتلكات مؤسسات “الأهرام” و”الأخبار” و”روز اليوسف” و”دار الهلال”، وهو نمط للملكية مختلف عما هو معروف في العالم، حيث ترجع ملكية وسائل الإعلام في معظم الدول إما إلى الدولة بصورة مباشرة أو إلى القطاع الخاص، أما الصيغة التي تسيطر فيها الدولة بصورة غير مباشرة أو عبر وسيط موثوق به فقد كانت اختراعًا مصريًّا خالصًا.

ظلت الصحافة المصرية بصورة أو بأخرى تحت سيطرة التنظيم السياسي الذي تغير من الاتحاد القومي إلى الاتحاد الاشتراكي عام 1962، وفي عهد الرئيس محمد أنور السادات (1970-1981)، انتقلت ملكية الصحف التي عرفت بالقومية إلى مجلس الشورى الذي تأسس سنة 1980 بموجب تعديلات دستورية تم الاستفتاء عليها قبل ذلك بعام، وهو غرفة ثانية للبرلمان المصري كان بلا سلطات تشريعية تقريبًا حيث يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضائه، وقد اعتبر مجرد أداة للسيطرة على الصحافة القومية، بدلًا من الاتحاد الاشتراكي الذي تم حله بعد ذلك.

الثقة ثم الخبرة

تولى مجلس الشورى مهمة تعيين رؤساء تحرير ومجالس إدارات الصحف، وقد كان مفهومًا أن المعينين هم أصلًا من أهل الثقة حتى لو صادف ذلك أنهم من أهل الخبرة، وكان أن تحولت الصحافة القومية إلا قليلًا إلى نشرات حكومية تحرص على تسيير الأعمال وتجميل السياسات دون نقدها.

وفي دراسة علمية أجراها الدكتور عبد الفتاح عبد النبي أستاذ نظريات الإعلام بكلية الآداب بجامعة الزقازيق سنة 1990، وكانت عن القائم بالاتصال في صحف الأهرام والأخبار والجمهورية، خلصت الدراسة إلى أن محرري هذه الصحف يتوجهون فيما يقدمونه من مادة للنشر، إلى إرضاء رؤسائهم والمسؤولين الحكوميين، وأخيرًا نحو القارئ، وذلك بنسب متفاوتة، وقد كانت الأهرام هي الأعلى في هذا التوجه تليها الأخبار ثم الجمهورية وفق الدراسة.

صحافة الأحزاب

مع عودة الحياة الحزبية في 1976 عبر ما عرف بـ “المنابر السياسية” ثم السماح بإنشاء الأحزاب لأول مرة منذ حلها عقب ثورة يوليو/تموز 1952، ظهرت الصحافة الحزبية مجددًا ونافست الصحافة القومية في التزلف لملاكها، لكنها أيضا استغلت الهامش الذي أتاحه السادات في محاولة للخروج من عباءة النظام الاشتراكي والتحالف مع الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليا) نحو الليبرالية واقتصاد السوق الحر، والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية.

توسيع الهامش

كان لدى الصحف الحزبية هامش حفرته بنفسها، بعيدًا عن رسمية الصحف القومية، وكان لها دور مهم في التعبير عن مشكلات الناس، وفي كشف كثير من قضايا الفساد، وشهدت عودتها بعد توقف لعقود تجارب مهمة لصحف الأحرار (1977)، والشعب (1981) والوفد (1984)، والعربي الناصري (1993)، واحتضنت الصحف الحزبية أقلامًا رصينة ذات تقدير عام وأخرى عالية الصوت تنحو للشعبوية، وشاركت تركيبتها بدور لا يمكن تجاهله في التمهيد لثورة شعبية قامت في 11 يناير/كانون الثاني 2011، أُطيح عقبها بالرئيس محمد حسني مبارك (1981-2011).

الصحافة الخاصة على الخط

لا يمكن إغفال دور الصحف الخاصة التي بدأت في أواخر عهد “مبارك”، وساهمت في فضح مرتكبي جرائم التعذيب وانتهاك حقوق العمال وفي تسليط الضوء على حركات المعارضة التي ظهرت في العقد الأخير من حكم “مبارك”، إذ لا يمكن تجاهل تجارب المصري اليوم والدستور والتحرير والبديل والشروق، وكيف أنها خصمت من رصيد الصحافة القومية والحزبية، لدى القارئ والمعلن على حد سواء.

ويمكن القول إن توزيع الصحف شهد ارتفاعًا ترافق مع تأثير عام للصحافة في مجريات الحراك السياسي الذي أججته ثورة يناير/كانون الثاني 2011، لكن هذا لم يدم طويلًا.

خفوت ما بعد يونيو

في 3 يوليو/تموز 2013 وبعد مظاهرات حاشدة مدعومة من الجيش أطيح بالرئيس محمد مرسي الذي تولى الحكم قبل عام واحد في أول انتخابات تنافسية حقيقية بين مرشحين مدنيين، لكن جماعة “الإخوان المسلمون” التي تأسست عام 1928 والتي انفردت بالحكم لأول مرة بعد أن نجح مرشحها محمد مرسي، دخلت في صدام مع القوى السياسية والمدنية، وكان أن فقدت السلطة تحت تكئة المظاهرات، لكنها كانت قد تدخلت في ملف الصحف القومية بطريقة حادة ابتدعت فيها وأثارت الغضب لدى قطاعات مهمة من الصحفيين أنفسهم.

أيا كان توصيفك لما جرى في يوليو/تموز 2013 وسواء انحزت إلى ما تصفه دوائر الإعلام المصري بأنه ثورة أم إلى ما تعتبره جماعة الإخوان انقلابًا، ِفإن هذا الحدث كان له أبلغ الأثر في تراجع دور الصحافة المصرية سواء كانت قومية أو حزبية أو خاصة، في ظل جنوح السلطة نحو السيطرة وممارسة الاحتكار في مجالي الصحافة والإعلام، والتدخل في تعيين إدارات الصحف الخاصة وليس القومية فقط.

ومنذ 2013 توقفت صحف خاصة وحزبية كما تم وقف إصدارات من الصحافة القومية أو دمجها في إصدارات أخرى على هيئة ملاحق داخلية، وكان أن ضعف تأثير من بقي وغرق في مشكلات التمويل وتكاليف التشغيل، والأجور وأسعار الطباعة التي ارتفعت بجنون على خلفية صعود الدولار أمام الجنيه بوتيرة غير مسبوقة.

القلة من الصحف التي بقيت تكافح في كل اتجاه فقدت التنوع والقدرة على المنافسة وكان أن صارت كلها نسخًا “شبه كربونية”، لا تشبع حاجة لقارئ ولا تكشف قضية لمجتمع ولا تواجه فسادا لمسؤول.

ومن اللافت أنك لو ذهبت إلى بائع الصحف فستلاحظ أن عناوين الصحف المصرية يومية أو أسبوعية متطابقة أو متشابهة على أقل تقدير، ولا يمكن تفسير ذلك بتوارد الخواطر أو الصدفة البحتة، ولو كان أحمد فؤاد نجم على قيد الحياة لكان قد استخرج من قريحته الساخرة ما يصف به المشهد الصحفي البائس، ورغم أنه لا يمكن توقع تعليقه إلا أنه كان على الأقل سيبتسم قائلًا: “دلوقتي عندنا 30 جرنال بس برضه تحس إن اللي كاتبهم واحد”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان