لماذا يقبل النظام العالمي مرغما ازدواجية المعايير الأمريكية؟

الرئيس السوداني السابق عمر البشير أثناء مثوله أمام المحكمة في السودان قبل عامين (الأناضول)

(1) من دارفور إلى غزة.. العدالة المنقوصة

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن مكافأة ضخمة قدرها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال أحمد هارون وزير الداخلية في عهد الرئيس السوداني عمر البشير، المتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور في 2003 و2004.

هذه الخطوة يبدو فيها حرص الولايات المتحدة الأمريكية على ملاحقة مجرمي الحرب أينما كانوا، وتؤكد أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن ولا بد من ملاحقة مرتكبيها ولو بعد حين.

لكن موقف أمريكا إزاء دارفور يتناقض مع موقفها من الجرائم الإسرائيلية في غزة اتجاه المدنيين وتعمدها التهجير القسري للسكان. مواقف أمريكا المتناقضة تظهر جلية في موقف الرئيس السابق ترامب الذي أصدر حزمة عقوبات على المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية “فاتو بنسودة” وعدد من موظفي المحكمة لأنها كانت تريد فتح تحقيق في جرائم حرب أمريكية محتملة في أفغانستان.

كما عارضت إدارة بوش الابن المحكمة الجنائية الدولية بشدة، وهددت بسحب قواتها من قوة حفظ السلام الدولية في البوسنة ما لم يتم منح جنودها المشاركين في غزو العراق حصانة من المحاكمة (كانت هناك اتهامات لهؤلاء الجنود بارتكاب جرائم حرب في حق العراقيين).

وفي قرار تعرض لانتقادات شديدة، صوت مجلس الأمن في 12 يوليو/تموز عام 2002 على منح القوات الأمريكية إعفاءً من الملاحقة القضائية لمدة 12 شهرًا، ويُجدد سنويا.

ونحن العرب نتذكر ما حدث في مارس 2021، حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بيانا يوضح أن اختصاصها القضائي يشمل الأراضي الفلسطينية، وأعلنت فاتو بنسودة رئيسة الادعاء العام بالمحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق رسمي في جرائم حرب حدثت في الضفة الغربية والقدس الشرقية الخاضعتين للاحتلال الإسرائيلي، وكذلك قطاع غزة، منذ يونيو/حزيران عام 2014، ورفضت إسرائيل قرار بنسودة، ولم يتم إدانة أي مسؤول إسرائيلي من قبل المحكمة؛ وذلك لنفوذ أمريكا على المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المنظمات الأممية؛ لأنها الدولة العظمى.

(2) حقوق القوة العظمى

لماذا يقبل النظام العالمي مرغما ازدواجية المعايير الأمريكية؟ ببساطة لأن أمريكا هي القوة العظمى في العالم، فهي تتمتع بأكبر نفوذ وموارد وقوة عسكرية في العالم؛ مما يمكنها من بسط سلطتها في الشؤون الدولية والتأثير في الآخرين من خلال القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية والثقافية إضافة إلى نفوذ القوة الدبلوماسية والقوة الناعمة المتمثلة في الحلم الأمريكي.

القوة العظمى تعمل وفقًا لسياساتها الخاصة ومصالحها، ويظل هذا الوضع قائما ومقبولا حتى تبدأ قوى عظمى جديدة في الظهور.

والتحول إلى قوة عظمى يتطلب استثمارات عسكرية واقتصادية كبيرة، ومع الوقت تفوق تكاليفها فوائد التوسع.

لذا نجد القوى العظمى القديمة تواجه في نهاية المطاف خيار خفض التكاليف أو إنفاق أكثر من قدراتها، ويتزامن ذلك مع فترات الانحدار حين تتوقف الدولة عن الحفاظ على مكانتها وكونها قوة عظمى، مع صعود  قوى أخرى تطالب بحقوق في المشاركة في السلطة والنفوذ العالمي، وهذا ما نشاهده على الساحة الدولية مع صعود الصين وروسيا إلى ميدان القوى العظمى ووجود تكتلات دولية ذات نفوذ كمجوعة البريكس والاتحاد الأوروبي، وهو ما جعل من الصعب على أمريكا تنفيذ سياستها الخاصة وفرض أجندة مصالحها الضيقة دون أدنى اعتبار لسياسات ومصالح الدول الطامحة لنفوذ أكبر وتأثير أعمق، وهو ما يعمق التناقض الأمريكي ويظهره للعيان.

(3) واجبات القوة العظمى

حذّرت الصين يوم الثلاثاء الماضي من “دوامة انتقام” في الشرق الأوسط بعدما توعّدت أمريكا بالرد على هجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى قتل ثلاثة عسكريين أمريكيين في قاعدة بالأردن واتهمت فصائل مدعومة من إيران بتدبيره.

الصين تحاول أن تقوم بدور رجل الإطفاء على مستوى العالم تاركة دور شرطي العالم لأمريكا، والأخيرة تعطي لنفسها الحق في أن تكون الشرطي الشرس الذي لا يقهر والقاضي في آن واحد، وأحكامها غير قابلة للنقض أو الاستئناف، وهو ما يزيد من اتساع  الفجوة بينها وبين الدول المارقة عليها ويوسع دوائر العنف خاصة في الشرق الأوسط، حيث تختلف توجهات وأهداف القوى الإقليمية ذات النفوذ فيه، ويبدو ذلك جليا في الحرب على غزة، حيث يوجد تياران: تيار المقاومة المسلحة الذي لا يؤمن بجدوى التفاوض مع إسرائيل المحتلة (وهو تيار تسانده إيران علنا)، والتيار الوسط المعتدل الذي ما زال يؤمن بجدوى الدبلوماسية والحلول السلمية.

في مثل هذه الأوضاع المعقدة والمتشابكة الأطراف والمتناقضة من حيث المصالح والأهداف، كان الواجب على أمريكا -وهي أعظم دولة في العالم- أن لا تنخرط في الصراع بوصفها طرفا فيه بل بوصفها شاهدا عليه مؤتمنا على السلام والاستقرار الدولي.

ولقد أخطأت إدارة بايدن كثيرا حين أشهدت العالم كله على أنها جزء من الصراع في غزة وأنها شريك لإسرائيل في حربها وجمعت مصالح أمريكا والمعسكر الغربي وإسرائيل في سلة واحدة.

هذا التهافت الأمريكي أضر بصورة أمريكا في المنطقة وجعلها هدفا مباشرا للمليشيا المسلحة المساندة للمقاومة الفلسطينية، ولا بد لأمريكا أن تجد لها مخرجا من هذا المأزق، لا يقلل من هيبتها وفي نفس الوقت لا يؤدي إلى توسيع الحرب وتفجير المنطقة برمتها.

فهذه المرة ستكون الحرب مباشرة بين أمريكا وإيران والمليشيا التابعة لها وستضطر دول أخرى في المنطقة إلى الانخراط في الصراع دفاعّا عن مصالحها التي لن تطابق هذه المرة تحالفاتها الاستراتيجية السابقة مع الولايات المتحدة. الدولة العظمى لها حقوق اكتسبتها بالقوة ولكن عليها واجبات دولية، وللأسف الآلة العسكرية الأمريكية الضخمة أفقدتها الصواب ولم تعد تدرك أن كل حق يقابله واجب عليها القيام به وإلا فستعرض مكانتها الدولية للانحدار وستفقدها، لا لمنافسة الصين وروسيا لها، بل لسوء تقديرها، وهذا ما يسجله تاريخ سقوط كل الإمبراطوريات السابقة.

المصدر : الجزيرة مباشر