أكذوبة الدولة الفلسطينية!!

ديفيد كاميرون وزير الخارجية البريطاني (الأناضول)

تتواتر أنباء عديدة الآن، من العواصم الغربية بشكل خاص، حول وعود بإنشاء الدولة الفلسطينية، في إطار صفقة وقف القتال المزمع التوصل إليها بين الكيان الصهيوني وحركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، هذا البند تحديدًا في صفقة المفاوضات يأتي كثيرًا على لسان وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، ثم ردده فيما بعد الرئيس الأمريكي جو بايدن، قبل أن تلوكه نشرات الأخبار بالترديد والتحليل، على اعتبار أنه تقدم كبير في ذلك الصراع بشكل عام، يمكن أن يسهم في حل الأزمة المزمنة بالمنطقة.

سوابق الأحداث بالمنطقة في هذا الشأن تؤكد أننا أمام امتداد واضح لأكاذيب من هذا النوع، لا حصر لها، تظهر على السطح كلما تأزمت الأوضاع، كانت دومًا كما جرت العادة، من تأليف وإخراج واشنطن ولندن، على غرار ما يجري الآن، وليس أدل على ذلك من استخدام ذلك الوعد الأزلي للتمهيد لقصف العراق عام 1990، وتم تتويجه باتفاقية أوسلو الهزلية عام 1993، التي أسفرت في نهاية الأمر عن سلطة فلسطينية تهدف إلى حماية إسرائيل من المقاومة والنضال المسلح، ثم أيضا قبل غزو العراق عام 2003، الذي أسفر عن مصادرة مزيد من الأراضي، وبناء مزيد من المستعمرات بالضفة الغربية والقدس، وعديد من المجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني.

شرك كبير من الأكاذيب

يأتي ذلك في الوقت الذي تستمد فيه القضية الفلسطينية شرعيتها من قرارات دولية عديدة، تعترف بالدولة المستقلة على حدود ما قبل حرب 5 يونيو 1967، بما يشير إلى أن الشعب الفلسطيني ليس في حاجة إلى وعود من أي طرف، أو مسكنات وأكاذيب من أي نوع، ما دام يدافع عن قضية عادلة، موثقة بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدًا، إلا أن المراوغات البريطانية بشكل خاص، ومن بعدها الأمريكية في هذا الشأن، دأبت على الاعتماد على آفة النسيان لدى العرب، واللدغ من الجحر نفسه مرات ومرات!

المراقب للأحداث الجارية بقطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، سوف يكتشف أن العالم، وليس العرب فقط، قد وقع في شرك كبير من الأكاذيب التي قادتها دولة الاحتلال، وسوّق لها ساسة وإعلام الغرب بشكل غير مسبوق، بدءًا من ذلك الادعاء الفجّ، حول قيام المقاومة الفلسطينية بقطع رؤوس الأطفال، وبقر بطون الحوامل، عند اقتحام ما يعرف بغلاف غزة، من مواقع عسكرية وتجمعات سكنية، وهو الادعاء الذي نقله الرئيس الأمريكي تحديدًا عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم اعتذر عنه البيت الأبيض، على اعتبار أنه كان من وحي خيال دولة الاحتلال، في إطار عمليات تشهير واسعة بالمقاومة.

على الرغم من ذلك، لم تتوقف الأكاذيب الأمريكية والبريطانية، التي يتبناها، بشكل يومي، رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ووزير خارجيته، حول الادعاء بالفصل بين ما يجري في البحر الأحمر، وما يجري في قطاع غزة، في محاولة لحشد العالم عسكريًّا بمواجهة جماعة الحوثيين في اليمن، بدلًا من العمل على كبح جماح آلة القتل الإسرائيلية المستمرة على مدار الساعة، وهو ما يؤكد الدعم المطلق من كل من واشنطن ولندن لحرب الإبادة الدائرة الآن في حق الشعب الفلسطيني.

ثم تأتي الأكذوبة الفاضحة، التي قادتها كل من لندن وواشنطن أيضًا، والتي أسفرت عن إيقاف 16 دولة للدعم الإنساني المقدم لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بزعم تعاون بضعة من موظفي الوكالة الفلسطينيين مع المقاومة، وهو الإجراء الذي يهدف إلى فرض حالة من التجويع والحصار غير مسبوقة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وغزة والقدس ولبنان وسوريا والأردن، ذلك أن أكثر من 90% من دعم الوكالة، يأتي من تلك الدول التي قررت المقاطعة.

وليس أدل على ما نشير إليه، من موقف كلا الدولتين، من محكمة العدل الدولية، والجنائية الدولية، وإنكارهما عدم ارتكاب الكيان الصهيوني لجرائم حرب، أو جرائم إبادة، بدلًا من انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات المحكمة، في محاولات رخيصة وفجة لتضليل القضاء وإنقاذ الكيان من الإدانة في آن الواحد، وهو ما يؤكد أننا أمام نظامين، أحدهما استعماري والآخر إمبريالي من الوزن الثقيل، عفا عليهما الزمن، بل تجاوزهما، إلى الحد الذي جعل مظاهرات الاحتجاج، في عقر دار هذه وتلك، هي الأبرز عالميًّا، احتجاجًا على سياستهما، وتراجعت في الوقت نفسه، إلى حد كبير، شعبية النظامين في استطلاعات الرأي الداخلي هناك.

الخيار الوحيد

ولأن الأمر كذلك، ولأن الرؤية واضحة فيما يتعلق بأكذوبة إقامة الدولة الفلسطينية سلميًّا، أو أكذوبة حل الدولتين عن طريق المفاوضات، يمكننا التأكيد على أن المقاومة المسلحة أضحت الخيار الوحيد الآن أمام الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه، بعد أن عانت القضية الفلسطينية من مراوغات ومؤامرات غير مسبوقة، بين العواصم العربية والغربية تارة، وأروقة المنظمات والمؤسسات الدولية تارة أخرى، ذلك أنه لا يوجد ضامن على وجه الكرة الأرضية لعهود اليهود تاريخيًّا، فما بالنا إذا كان الضامن دائمًا وأبدًا في العصر الحديث، صهيونيًّا أمريكيًّا، أو استعماريًّا بريطانيًّا!!

على أية حال، ربما هناك الآن من القلاقل والتوترات بالمنطقة، ما يرغم الأطراف الخارجية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، على البحث عن مخرج للمأزق الراهن، المتمثل في استهداف سفن البلدين بالبحر الأحمر، وقواعدهما العسكرية في كل من سوريا والعراق بشكل خاص، مع وضع إمكانية توسيع رقعة الصراع في الاعتبار، واستهداف مصالح البلدين في مناطق أخرى بالعالم.

لكن شواهد الممارسات الحالية، من دعم عسكري غير مسبوق لدولة الاحتلال من جهة، والتصدي بالفيتو السيّئ السمعة لكل محاولات الإدانة بمجلس الأمن من جهة أخرى، تؤكد أن عملية بناء الثقة أصبحت مستحيلة إلى الحد الذي اتضح معه أن المقاومة الفلسطينية تخوض في حقيقة الأمر مواجهة مباشرة مع هذين النظامين المشار إليهما، وما الكيان الصهيوني إلا رأس حربة بالإنابة.

المصدر : الجزيرة مباشر