غزة و”صناعة الموت”

طفل فلسطيني يحاول لصق علم حماس على واجهة منزل في رام الله (الفرنسية)

“نموت جوعى في عالم تفيض قمامته بالطعام، تصعد أرواحنا إليك وقلوبنا ترف خوفًا على ذوينا وأصدقائنا لا أنفسنا”.. هذه الكلمات لمصطفى النجار، وهو طبيب فلسطيني شاب استشهد قبل أيام.. لكن النجار الذي نجا من الموت المحقق أربع مرات متتالية، لم يع أن هناك كذلك من يحتفلون الآن بمراكمة ملايين ومليارات الدولارات مع كل قنبلة تمحو بيتًا، مع كل قذيفة تسقط في حضن طفلٍ تحمله أمه.

والتصميم على مواصلة الحرب، حتى ولو تم التوصل إلى هدنة مؤقتة، لا يعبر فقط عن رغبة الرئيس الأمريكي في الظهور بمشهد الرجل القوي، ولا يعود إلى الحسابات السياسية للفاشيين الجدد في دولة الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل تقف وراءه أيضا مصالح شركات السلاح الإسرائيلية والأمريكية.

الأرباح قبل الإنسان

ورغم انحياز وسائل الإعلام الغربية الواضح للرواية الإسرائيلية، فإن جريدة “الغارديان”، تقول إن الناس في غزة “يصرخون كل يوم من أجل وقف إطلاق النار”، وهم يتعرضون للقتل والإصابات.

وهي الحالة التي عبر عنها الطبيب الشهيد النجار -الذي ترك إرثًا من الحب والتضحية، إذ عاش قضية شعبه وواصل المقاومة في إنقاذ الجرحى والمصابين وتطبيبهم حتى آخر لحظة في حياته- بقوله على موقع “إكس”: “هل من ميتة غير التي تقسم وجهك كتلة إسمنتية ضخمة؟ أو أن تموت ببطء عالقًا بين الركام تسمعهم يحاولون الوصول إليك ويعجزون؟ يموت الناس عادة يا الله في أسرتهم دافئين، أو كهولًا ملّوا من الحياة ونعيمها، أما نحن فنموت قبل أن نحيا، نموت أطفالًا لا نذكر من الدنيا سوى الجوع والحصار والهلع!”.

لكن تقارير إسرائيلية وموقع “أوريان 21” الفرنسي، تشير إلى أن مؤشرات بورصة تل أبيب لا تشعر بمعاناة البشر ولا تعنيها صرخات الأطفال، فمؤشر البورصة، الذي انخفض 9% في بداية الحرب، سرعان ما ارتفع بسبب الأرباح القياسية للشركات العسكرية الإسرائيلية، كما ارتفعت أسهم الشركات الأمريكية العسكرية المدرجة في بورصة تل أبيب، بفعل المجازر التي خلفتها أسلحتها.

وينقل موقع جلوبز المالي عن محلل الاستثمارات الإسرائيلي شاحر كارمي: “القذائف تتطاير في كل مكان، فلا بد أن تستفيد الشركة”.

ويقول الخبير العسكري الأمريكي بيتر أليكس، إنه في كل الحروب الإسرائيلية على غزة تُستخدم مجموعة من الأسلحة الجديدة وتقنيات مراقبة الفلسطينيين، ثم تُسوقها إسرائيل وتبيعها بدعوى تجريبها في الميدان؛ مما حول القطاع إلى مختبر عسكري إسرائيلي.

الشركات الإسرائيلية يمكنها عرض لقطات حية لقصف المدنيين بكل أريحية على عملائها حول العالم لعدم وجود رادع دولي.

وتعرض الشركات مشاهد القصف بهدف كسب “الزبون” وكأنها لقطات تمثيلية لا تستهدف بشرا. وليس مستبعدا أن تكون شقيقة الطبيب الطفلة التي قُتلت قبل استشهاده بشهر واحد إحدى فئران تجارب المختبر الإسرائيلي، لتترك آثارا نفسية رهيبة في الأب يصفها الطبيب بقوله “حبيبي بابا، بـ2014 بس استشهد أخوي محمد كنت صغير شوية بس كنت أسمعه يظل يحكي حبيبي يا محمد كلها 5 سنين وباجي عندك ومر على استشهاد محمد 10 سنين واليوم بابا بيعيد نفس الجملة وقت يوقف عند قبر أختي وبيحكيلها يلا يا بابا كلها 5 سنين وباجي عندك أنت ومحمد، حبيبي الله يصبرك ويثبتك”.

وبعد أيام من بدء حرب الإبادة على قطاع غزة، حسبما تشير جريدة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، أعلن الجيش الإسرائيلي ومعه شركة “إيلبيت” عن أول استخدامٍ عملياتي لقذيفة “اللدغة الحديدية”، وهي قذيفة “ذكية” من عيار 120 ملم، يدعي الإسرائيليون أنها موجهة بأشعة الليزر، ونظام تحديد المواقع “جي بي أس”.

وفي غضون ساعات، نشرت مئات الوسائل الإعلامية الأجنبية، دون مساءلةٍ أو تحقيقٍ أو نقد، مادةً دعائية خالصة لصالح شركة الأسلحة الإسرائيلية. هذا، طبعًا، إضافة إلى عشرات آلاف القذائف من عيار 155 ملم بقيمة رُبع مليار شيكل (أي 62 مليون دولار أمريكي) اشترتها وزارة الأمن الإسرائيلية من ذات الشركة منتصف العام الماضي.

هذا الكم الهائل من الأسلحة الجديدة، إضافة إلى مخازن من الذخائر والعتاد الأقدم، كلها أسلحة تكلف إسرائيل ما يُقدر بمليارات الدولارات يوميًّا. بحسب الصحافة الإسرائيلية، تتعمد الحكومة إخفاء التكلفة اليومية للحرب خوفًا من ضرب التصنيف الائتماني العالمي للدولة. لكن الأكيد، وما لا يمكن إخفاؤه، أن هذه المليارات لا تُطلَق في الفراغ، وإنما تعود إلى جيوب من يدفعون هذه الحرب ويمنعون توقفها.

من جهتنا، تعود علينا هذه المليارات بجثامين الآلاف من الأحبة، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، من بينهم جثمان الطبيب مصطفى النجار، وشقيقه وشقيقته.

الرابحون من الحرب

وفي أمريكا التي تغامر بتوسيع الحرب، من أجل عيون إسرائيل، عبر عمليات استعراض القوة والاعتداء على 3 دول عربية، اليمن والعراق وسوريا، يزداد نفوذ المجمع الصناعي العسكري، خصوصا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

واشنطن التي تعد شريكة رئيسية لإسرائيل في العدوان المتواصل منذ 4 أشهر، لم تمارس، حتى الآن، ضغطا حقيقيا على الصهاينة لوقف الحرب، بالرغم من أن جماعات المقاومة في اليمن وسوريا والعراق تعهدت بوقف هجماتها عند التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

ومنذ بدء حرب الإبادة في غزة، التي خلفت نحو 28 ألف شهيد حتى الآن، من بينهم نحو 12 ألف طفل، شهد المؤشر الأمريكي، المختص بشركات الطيران والأمن، ارتفاعات ملحوظة وصلت 5.88 بالمئة خلال الأيام العشر الأولى من الحرب.

وانتعشت أسواق شركات السلاح، وكأنها تتغذى مثل دراكولا من دماء الضحايا، إذ ارتفعت أسهم الشركات الخمس الأولى عالميًّا، وجميعها شركات أميركية، وهي لوكهيد مارتن، وريثون للتكنولوجيا، وبوينغ، ونورثروب غرومان، وجنرال دايناميك.

وتوضح جريدة هآرتس الإسرائيلية أن جريج هايز، المدير التنفيذي لعملاقة الأسلحة الأمريكية “رتكس” أرسل تقريرًا للمستثمرين بعد أيامٍ من حرب الإبادة، يحثهم فيه على تأييد المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.

في تقريره، يؤكد أن المساعدات الأمريكية ستُنتِج اتفاقيات جديدة لتصدير الصواريخ: “إذا نظرتم إلى المحفظة الاستثمارية للشركة، فستلحظون الاستفادة من تجديد مخزون [الصواريخ]”.

وبينما الطبيب النجار يكتب أنه اضطر إلى قطع الحبل السُّرّي لمولودة جديدة بسكين مطبخ وربطه بمشبك لعدم توفر أدوات جراحية، صارخا “لقد خذلنا الأطفال”، ارتفعت أسهم هذه الشركة، التي تصنع الرادارات والقذائف الموجهة، والشريكة في مشروع “القبة الحديدية” الإسرائيلي، بنسبة 13.46 بالمئة منذ بدء الحرب.

وتضيف مجلة “TomDispatch” الرقمية الأمريكية أن مديرها تقاضى في العامين الأخيرين 63 مليون دولار، عمل على تأمينها بقنوات عديدة، من ضمنها جمعية المائدة المستديرة للأعمال، وهي من أشد مجموعات الضغط تأثيرًا في السياسات الأمريكية، التي قادت توجهات سياسية واقتصادية تاريخية في الولايات المتحدة منذ 1972، منها محاربة قوانين منع الاحتكار وحماية المستهلك في السبعينيات واتفاقية “نافتا” في التسعينيات.

وتشير المجلة الرقمية إلى أن كُبرى شركات الأسلحة “لوكهيد مارتين” تزود إسرائيل منذ عقود بطائرات “إف 16″ و”إف 35” وصواريخ “نار الجحيم” ومئات من الأسلحة والمعدات منذ عقود.

ارتفعت أسهم الشركة، منذ بداية الحرب وحتى 30 أكتوبر، بنسبة 10.65 بالمئة. مديرها التنفيذي، جيم تايكليت، تقاضى في العامين الأخيرين ما يُقدر بـ66 مليون دولار، إضافةً إلى أسهم بقيمة 25 مليون دولار يمتلكها في الشركة.

وفي هذا السياق، دافع محللون أمريكيون، بشدة عن الضربات الأمريكية الأخيرة لمنظمات إسلامية مساندة للشعب الفلسطيني في اليمن والعراق وسوريا.

يقول المحلل الأمريكي “فان شيراك” في حديث لموقع “الحرة”، “أعتقد أنه لو شعرت تلك المليشيا بوجع كبير، فستخفض لا محالة من هجماتها، لأنها تعلم أنها ستكون في مواجهة قوة عالمية كبرى.. وأنه لا مجال للعب”.

ويرى شيراك أن أي قرار لواشنطن “غير الضرب بقوة” كان سيسمح بالتأكيد بتوسع الحرب “وجرأة أكبر من طرف وكلاء إيران”.

شيراك، خلص إلى نتيجة مفادها أن كبح الجماعات الموالية لطهران يتوقف على قوة واستمرار الضربات الأمريكية، بل وإشراك دول حليفة أخرى، مستبعدا توسيع الحرب جراء ذلك (!!).

باختصار، يساهم النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة في تعزيز حالة التوتر والحروب؛ مما يجعل شركات تصنيع الأسلحة أكبر المستفيدين من أي نزاع أو توتر في أي منطقة من العالم، لكن المقاومة أيضا تتصاعد ضد العسكرة وصناعة الموت.

معسكر المقاومة

بسالة المقاومة الفلسطينية دفعت قطاعات واسعة من العالم إلى التحرك ضد العسكرة وهيمنتها على السياسة، وفي هذا السياق برز بصيص أمل في أن يقوم أعضاء “تجمع الحرية” بالكونغرس الذي يتكون من الأعضاء الجمهوريين الأكثر يمينية والساعين إلى خفض الميزانية بملاحقة ميزانية البنتاغون المتضخمة بدلًا من ممارسة الضغوط المالية على البرامج المحلية.

كما دخلت نقابة عمال السيارات بأمريكا على الخط، فعلى الرغم من الزيادات الهائلة التي شهدها التمويل منذ الثمانينيات، فقد انخفضت الوظائف الفعلية التي يتيحها قطاع صناعة الأسلحة من 3 ملايين إلى 1.1 مليون فرصة عمل.

ولذا قامت نقابة عمال السيارات “المتحدون”، وهي إحدى النقابات التي تضم أكبر عدد من الأعضاء العاملين في صناعة الأسلحة، هذه الحقيقة، بتشكيل “لجنة الانتقال العادل”، أو ما يمكن وصفه بـ“التحول السلمي” للعاملين في قطاع صناعة الأسلحة والدفاع نحو قطاع آخر.

كما تظاهر الآلاف في أمريكا أمام مقار شركات الأسلحة التي يقول المتظاهرون إن لها دورًا في مقتل آلاف المدنيين في غزة.

ونظمت نقابات عمالية في بريطانيا وقفات احتجاجية، تنديدا بالدعم الذي تقدمه شركات أسلحة للاحتلال، والذي يستخدمه في عدوانه على قطاع غزة.

غير أن المقاومة الفلسطينية وجهت ضربات قاصمة للعنجهية الصهيونية مع بداية الدخول البري، وبدء الاعتراف الإسرائيلي بالخسائر، وبدأت تنكشف حقيقة نعرفها جيدًا.

في الأول من نوفمبر، اعترفت إسرائيل بتدمير المقاومة لمدرعة “نمر” (Namer) ومقتل غالبية جنودها. وذلك بعد سنوات طويلة من تطويرها وعشرات التقارير الصحفية التي بجّلتها وبشّرت بها. تتساءل الصحافة الإسرائيلية: “كان يُفترض أن تكون هذه ناقلة الجند المتطورة التي انتظرها الجيش لعقود… فأين الخلل؟”.

نحن نعرف الإجابة عن السؤال، نعرف البديهية التي ثبتتها الشعوب: كل الأسلحة التي تُسوّق على أنها أرفع منجزات التكنولوجيا القادمة من المستقبل، توظّف لتهويل الأسطورة، ودبّ الرعب في الشعوب المستضعفة ثم مراكمة الأرباح الهائلة من الاستراتيجيات العدوانية والاستعمارية المعربدة في عالمنا. البديهي أن الأسطورة، مهما عظمت، ومهما بلغت تقنيات بنيانها، سيجاهد المظلوم حتى يتغلب عليها.

أو بكلمات الطبيب الشهيد “هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دُمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نُحاوِل أن نحيا”.

المصدر : الجزيرة مباشر