ما بعد الحرب.. لماذا نتوجس خيفة من المفاوضات؟!

الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات (غيتي)

في المعارك الكبرى ينتصر أصحاب الإرادة القوية والإيمان بعدالة القضية التي تدافع عنها، ومدى يقينك بالقيم التي تؤمن بها، ومعركة غزة التي تجرى الآن على أرض فلسطين إحدى المعارك الكبرى في تاريخ فلسطين بل والأمة العربية والإسلامية..

ولا مبالغة في هذا، فهزيمة الكيان الصهيوني محققة حتى الآن بشهادة من داخل الكيان نفسه سواء من قبل سياسيين سابقين وحاليين، أو من إعلامه الذي يؤكد تلك الهزيمة التي لم يتعرض لها الكيان المزعوم طوال تاريخ وجوده على أرض فلسطين.

الكيان فقد الكثير من مقومات تماسكه، ففي الداخل أصبح المستوطن يحمل جواز سفره دائما ليقفز في أي لحظة إلى بلده الأصلي، وما يقارب نصف مليون خرجوا من الأرض المحتلة عائدين إلى موطنهم الأصلي.

انتصار المقاومة

المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حققت انتصارا كبيرا صبيحة السابع من أكتوبر/ تشرين الماضي حطمت كل أركان القوة المزعومة للكيان، صمود غزة والمقاومة على مدار الشهور الأربعة الماضية انتصار لم تحققه الأمة العربية من قبل على الكيان الصهيوني.

تماسك الكتلة الصلبة للمقاومة وخاصة حماس، وعدم استطاعة جيش الاحتلال الوصول إلى أهدافه سواء باستعادة أسراه الـ136، أو القضاء على الكتلة الصلبة لحماس، أو استشهاد قيادات الحركة والوصول إليهم انتصار لا يُنسى لغزة والمقاومين فيها، عدد القتلى من جيش الاحتلال والمصابين المقدرة بالآلاف في معركة واحدة لم يشهدها الكيان منذ نشأته، كل هذه مظاهر ومكاسب للمقاومة الفلسطينية من معركة طوفان الأقصى.

الآن ومنذ أسبوعين بدأت المعركة الأهم في تاريخ الصراع العربي/الإسرائيلي من خلال مفاوضات وقف العدوان وانسحاب جيش الكيان الصهيوني من غزة مهزوما مدحورا إن شاء الله، لكن لماذا يصبح التفاوض على إيقاف العدوان هي المعركة الأهم؟

المعركة الحربية والسياسية

التفاوض يعكس نتائج المعارك فالسياسة هي تتويج لما حدث على أرض المعارك الحربية، وقد انتصر صمود الشعب الفلسطيني وبسالته طوال معركة هي الأطول زمنيا في تاريخ المعارك العربية/ الصهيونية، انتصر صبر الشعب الفلسطيني في غزة والضفة على الهدم، التدمير، الحصار، القتل، النزوح، البرد، الخيام، الجوع، والعطش، رغم هذا بقي الشعب متمسكا بوطنه ومنازله وتراثه وترابه، انتصرت إرادة الشعب الفلسطيني حتى الآن، لذا من حقه أن يكلل انتصاره بالانتصار السياسي، فكم من معارك انتهت بانتصار على الأرض وضيعتها السياسة لانكسار الإرادة وضعفها.

كانت حرب السادس من أكتوبر مثالا واضحا على ضعف الإرادة التي أدت إلى واقع سياسي مغاير للنتائج، دخلت القيادة السياسية لمصر التفاوض بلا إرادة وإيمان بحقوقها ولا قضيتها، فكانت النتيجة هزيمة سياسية لم تفق منها الأمة.

تلك كانت هزيمة إرادة أولا، وسببت بكاء أحد قادة المعركة الحربية الكبار الفريق عبد الغني الجمسي، وبعد ذلك استقال -خلال التفاوض- وزراء الخارجية المصرية: إسماعيل فهمي، محمد رياض، ومحمد إبراهيم كامل اعتراضا على مواقف الرئيس المصري أنور السادات سواء في اتفاقات فض الاشتباك بعد معركة أكتوبر/ تشرين 1973 حيث الخلافات مع رئيس أركان الجيش المصري سعد الشاذلي، والفريق الجمسي، أو في مفاوضات السلام 1977، 1979، كانت تلك النتائج السياسية نتيجة لضعف الإرادة السياسية التي قادت معركة التفاوض.

صراع الإرادات

الآن يكون الفيصل في تلك المفاوضات الدائرة بين المقاومة والكيان الصهيوني، وتتوسط فيها قطر، تركيا، مصر، وما عرف بورقة باريس هو الإرادة، وقد وافق الكيان الإسرائيلي عليها، وردت فصائل المقاومة عليها بشروط تعكس وقائع الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة أعقاب ما حدث في السابع من أكتوبر/ تشرين الماضي، كان رد المقاومة الفلسطينية عاكسا لصدق وقوة إرادة المقاومة وتماسكها في مواجهة العدوان.

المقاومة الفلسطينية أمام فرصة تاريخية في تاريخ النضال الفلسطيني من أجل تحرير الأرض وفلسطين كاملة من البحر إلى النهر، فما تحقق خلال معركة طوفان الأقصى هو أهم انتصار فلسطيني وعربي حتى الآن.

إذا استطاعت قيادة المقاومة أن تظل بنفس قوة الإرادة ستحصل على ما يؤكد هذا الانتصار، التمسك هنا ينبع من النتائج التي تحققت على الأرض، أي تهاون أو إعطاء فرصة لرئيس وزراء العصابة الصهيونية سيكون بلاء على فلسطين والأمة العربية، نتنياهو سيستغل أي لحظة مرونة أو ضعف للمقاومة ليفرض شروطه، وفي ظل عالم مختل الموازين، وفي ظل تخاذل عربي وإسلامي مهين، وتواطؤ وضعف دوليين ستكون النتائج وخيمة فلا مجال هنا لمرونة أو ضعف إرادات.

المفاوض الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية أمام فرصة تاريخية، ما حدث في غزة قد حدث، نحو مليوني نازحا، و28 ألف شهيد، منهم 12 ألف طفل، 600 ألف يتعرضون للموت نتيجة المجاعة وانتشار الأمراض إضافة إلة الدمار الواسع للمنازل والمدراس والمؤسسات التعليمية، والمساجد، والمستشفيات.

إذن لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنا غاليا وباهظا فليكن الحصاد على قدر الثمن، ولتكن النتائج بقدر التضحيات، وهذا يتبدى في إرادة المفاوض والقيادة الفلسطينية للمقاومة، فلا تهنوا ولا تحزنوا وكونوا بقدر شجاعتكم، وليكن دائما كما تعلنون: إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد.

المصدر : الجزيرة مباشر