دراما فاتح القدس.. غزة خطوة على الطريق

مسلسل صلاح الدين (منصات التواصل الاجتماعي)

 

يأتينا العمل الدرامي التركي فاتح القدس صلاح الدين الأيوبي في موسمه الأول الذي يعرض على شاشة التليفزيون الرسمي التركي هذه الأيام، ويتابعه المشاهدون في تركيا والعالم الإسلامي والعربي وكأنه استراحة ألم من أوجاع الحاضر.

استراحة ألم من الصمت، والعجز والتقصير في حق ما يحدث في غزة والأرض المحتلة من مذابح وقتل، وانتهاك للمعايير الإنسانية كلها، مع طوفان الأخبار القادمة من كل أرجاء غزة عما يحدث في غزة على الحدود المغلقة بين فلسطين ومصر، وما تشهده رفح الفلسطينية من غارات يشنها جيش الاحتلال الصهيوني محاولًا نيل أي نصر يمحو به آثار هزيمته المدوية على يد المقاومة الفلسطينية الباسلة.

ينتظر الجمهور في تركيا وعديد من البلاد المهتمة بالدراما التاريخية العمل الدرامي الجديد فاتح القدس. هذا العمل الذي يرتبط بفلسطين وتاريخ تحريرها من الاحتلال الصليبي على يد صلاح الدين الأيوبي، ومع تصاعد الأحداث في غزة فلسطين يتصاعد منحنى مشاهدات العمل الدرامي فاتح القدس ربما كنوع من التضامن مع صمود أهل فلسطين ضد الوحشية الصهيونية، ولأن الأعمال الدرامية في تركيا يتم إنتاجها وبثها أسبوعيًا يتيح هذا لكاتب العمل الدرامي أن يطور أحداثه حتى يكاد يلامس الحاضر، ويصبح أمام الممثلين في العمل الدرامي اقتباس بعض الإشارات والتأثر بما يحدث واقعيًا على أرض الحدث الحقيقي (الحرب على غزة).

اجتياح غزة

استطاع الأمير صلاح الدين تحرير عسقلان من قبضة فرسان المعبد المدعمين من الكنسية في بيزنطة، وملكة القدس المحتل، وكان اجتياح عسقلان واحتلالها، ثم محاولات السلطان نور الدين زنكي وصلاح الدين تحريرها محور الحلقات العشر الأولى من العمل، وجاءت الحلقة الثانية عشرة بعد تحرير عسقلان لنشهد عملية اجتياح غزة تعويضًا عن فقدان عسقلان، وتصبح الأحداث الدرامية كأنها مشهد من الواقع تمثيلًا وحوارًا.

أساطيل بحرية ضخمة تحاصر ساحل غزة قادمة من أوروبا، يقودها رجل غامض يحرك الجيوش والأساطيل الغربية المسيحية بسطوته، يتضح بعد مشاهد عدة أنه يهودي الديانة ينتمي إلى الصهيونية العالمية، يشدد هذا الصهيوني على اقتحام غزة وإبادة كل مسلم على أرضها، ويبدأ الاجتياح البري في ظل حصار الأسطول البحري.

تبدأ المذابح على أرض غزة قتل لكل المسلمين، الأطفال، النساء، الرجال، الشيوخ، وعندما يعترض يهودي يعيش في غزة على القتل يقتله محرك الجيوش الصهيوني، عاش اليهودي بين أهل غزة متمتعًا بحقوقه كلها، لكن مجرد التعاطف مع أهل غزة من المسلمين والعرب يعرضه للقتل، وتبدأ عمليات نزوح الأهالي من القتل الذي لا يبقي على شيء.

تهاجم الجيوش المسيحية القادمة من أوروبا غزة ويقتحمها الكاهن اليهودي، ويهرب الأهالي إلى خارج المدينة، هكذا تمتزج الأحداث التاريخية بالواقع الذي يجري الآن على الأرض، ويصبح الحوار الدرامي كله عن غزة وإنقاذ أهلها من المذابح التي يتعرضون لها، ومكانة غزة وأهميتها في تحرير القدس من الاحتلال الصليبي (الصهيوني).

يتألق كاتب الحوار والممثلون في إظهار دعمهم للمقاومة الفلسطينية من خلال الأحداث المتصاعدة، هذا الربط بين ما يجري في غزة والدراما التاريخية يشعرك وكأنها دراما على الهواء مباشرة، فكما تشاهد على القنوات الإخبارية ما يحدث في رفح ومأسي أهلنا في غزة الذين انتقلوا لرفح فلسطين، تجدها أمامك في القنوات التي تعرض الدراما التليفزيونية فاتح القدس (صلاح الدين الأيوبي).

السيطرة بالاقتصاد على العالم

إشارة مهمة يلمحها الكاتب في العمل الدرامي وهي سيطرة اليهود على العالم من خلال الاقتصاد، في المسلسل يشير إلى الذهب في يد اليهودي قائد الحملة على غزة، ويفتح من معه صناديق الذهب التي ستكون طريق الحصول على تأييد سادة القبائل الإسلامية، وفي ذلك إشارة إلى الشائع عن استحوذ اليهود الذين يمثلون 02% من تعداد العالم على 20% من ثرواته.

تجيء محاولات شراء قادة القبائل من خلال أحدهم، فبينما يقرر السادة الانضمام إلى حملة صلاح الدين في تحرير غزة على طريق القدس، يحضر تارا تكين ابن قبيلة البوريين صناديق الذهب ليثنيهم عن الانضمام إلى صلاح الدين بعدما اتفق مع الصليبيين واليهودي الصهيوني، وعندما يرفض السادة العرض يتم اجتياح القبيلة وقتل السادة جميعًا.

يحاول صلاح الدين دخول غزة بأي وسيلة في محاولة لإنقاذ بعض محاربيه الذين سقطوا أسرى بيد الصليبيين فلا يجد أي وسيلة سوى الأنفاق، فالبحر محاصر، والقدس محتلة، وقد استولت الجيوش على الأرض وتحصن فيها الآلاف من الجنود، وعن طريق نفق تحت أحد القبور يدخل صلاح الدين المدينة، ورغم وجود مصيدة لهم في النفق إلا أن الرجل الغزاوي الذي كان دليلهم يضحي بنفسه من أجل دخولهم، فالرجل قتل أهله وأطفاله في الاجتياح، والمهم الآن هو إنقاذ المدينة.

هذه التضحية والشهادة التي قدمها الرجل هي تعبير عن مواقف أغلبية أهل غزة الموجودين الآن على الحدود المصرية في رفح الفلسطينية، وقد تابعنا التقرير التليفزيوني عن بيان النازحين إلى رفح الذي أعلنوا فيه تمسكهم بأراضيهم وعدم قبولهم الترحيل إلى سيناء أو أي مكان، وإعلانهم تمسكهم بالمقاومة ودعمها، وكونهم جزء لا يتجزأ من المقاومة الفلسطينية في حربهم وصمودها ضد الجرائم الصهيونية.

التاريخ والدراما

للمرة الثالثة أو الخامسة يتعرض أحد الأصدقاء الذين يهتمون بالتأريخ إلى الأعمال الدرامية كونها وثيقة تاريخية، وهذه القضية تثار مع كل عمل تاريخي سواء عربي أو تركي، وهذا الأسبوع كانت مثار تعليق من أحد الأصدقاء الصحفيين، وصديق يهتم بالتأريخ والمراجع التاريخية للأحداث، وقد تعرض كلاهما للدراما التركية بمناسبة الحضور الهائل لتلك الدراما في الشارع العربي.

احتفظ باحترام كبير للصديقين، ولكني أختلف معهما في طرحهما، فقد أشرت من قبل أن التاريخ لا مكان له في الدراما التي تتناول أحداثًا أو شخصيات تاريخية سابقة، الدراما هو عمل فني متخيل صنعه كاتب درامي يستدعي فترة تاريخية ويضيف أحداثًا وشخصيات، يخلق متعة بصرية ودرامية ليقدم من خلالها رسالته الفنية.

قيمة العمل الدرامي التاريخي أو غيره هو القيم الإنسانية والأخلاقية التي يطرحها العمل أو الشخصية، وما يضيفه الكاتب من إبداعه، فلا الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين هو صلاح الدين الأيوبي، ولا فاتح القدس التركي صلاح الدين.

الدراما التاريخية أعظم حالاتها استدعاء اللحظة، أما تحميل الرسائل فتلك مهمة مبدع العمل، وما أجمل أن تأتي الأعمال التاريخية لتعلي قيم العدالة، والمقاومة، والدفاع عن المظلومين، وما أجمل أن يأتي صلاح الدين كعمل درامي في وقت يجتاح فيه الكيان الصهيوني غزة ليذكرنا أن غزة هي خطوة على طريق القدس، أما أحداث العمل فلا يمكن لشخص عاقل أن يعدها وثيقة تاريخية ويتعامل معها، فالدراما ليست التاريخ.

المصدر : الجزيرة مباشر