حرب المصطلحات والمسميات في السياق الفلسطيني

جنود إسرائيليون يصلحون مسارات دبابة بالقرب من الحدود مع غزة (غيتي)

طبيعة السياسات المتبعة والأهداف الكامنة وراء اللعب بالمصطلحات، وتغيير مدلولاتها، كانت دائمًا لعبة مكشوفة، وعلى وجه التحديد في السياق الفلسطيني، حين يعمد العدو الصهيوني إلى العزف الدائم على وتر تزييف الحقائق من خلال ليّ رقاب التسميات، وتحويلها عن حقيقتها.

لكنه يظل عدوًا، وقياسًا على الشاعر، يجوز له ما لا يجوز لغيره، حتى لو كسّر القواعد، وخالف العرف، ولذلك، فلم يكن سلوك العدو هو السبب المباشر الدافع لكتابة هذه الكلمات، ولكن إصرار الإدارة الأمريكية على اتباع النهج نفسه كان هو الدافع.

فطريقة استخدامها للمصطلحات تغري بالاعتقاد أنها هي العدو الحقيقي في مواجهة مباشرة مع الشعب الفلسطيني، أو على الأقل، محامي الدفاع عن آلة القتل الصهيونية.

المشهد الكثيف التفاصيل

ففي الأيام الأخيرة كثر الحديث عن مبادرات تمخضت عن الوساطة القطرية في سياق العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وبينما تعدها حركة (حماس) مبادرات لوقف العدوان، ويسميها العدو الصهيوني تنازلات لتحرير الرهائن، تعدها الإدارة الأمريكية مفاوضات لإطلاق سراح الرهائن.

هكذا فقط، اختزال كامل للمشهد الكثيف التفاصيل في مسألة واحدة فقط، وهي إطلاق سراح الرهائن الصهاينة المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، وكأنه لا يوجد شعب كامل يُقتل بالآلاف، ويشرد بمئات الآلاف، ويجوع منذ أكثر من 100 يوم، ولكن بالنسبة للإدارة الأمريكية هذه مسائل هامشية، يمكن الالتفات إليها لاحقًا!

أما الضرورة القصوى، والأولوية العاجلة فهي لإطلاق سراح الرهائن الصهاينة من أيدي المقاومة الفلسطينية. هؤلاء الرهائن الذين هم أصلًا جنود في جيش الاحتلال، الراكبون دباباته، والمصوّبون فوهاتها تجاه شعب غزة، هم أولى بالحياة والحرية، وعلى وجه السرعة والتعجيل!

إصرار الإدارة الأمريكية على تلك السياسة في تحوير المصطلحات الواردة في السياق الفلسطيني فيه أكثر من دلالة، أبرزها أنها واقفة في صف واحد مع إسرائيل، بل هي الحامي والمحامي، وبالتالي فهي وسيط غير نزيه وغير منصف، لن يأتي بالعدل أو الحرية للشعب المذبوح مهما ادّعت ذلك.

وما الحديث عن حل الدولتين إلا مضغة لتدريب لسان الناطقين باسمها على تحريك اللسان لينطق بالترهات، حين لا يوجد كلام حقيقي يقال، ويُستدل أيضًا على عنصرية بغيضة، وفوقية مقيتة، إذ تُقدّم –ولا تساوي حتى– حياة 100 صهيوني مغتصب ونيّف، على حياة أكثر من 2 مليون فلسطيني، والجميع موجودون على البقعة الجغرافية نفسها.

ويُستدل أيضًا على أن أولويات الإدارة الأمريكية ليست بحال من الأحوال مرتبطة بوقف العدوان الصهيوني، وإنقاذ الشعب الغزي المقتول بسلاحها، وإنما أولويتها مختلفة تمامًا، تتمثل في تخليص أكبر ورقة قوة ومساومة موجودة لدى المقاومة، وبعدها لو أطلقت يد الاحتلال لمزيد من القتل والدمار فلا بأس.

ووسائل الإعلام العربية أيضًا

ليس الأمر مقتصرًا على الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني في لعبة المصطلحات الرديئة، بل هناك وسائل إعلام عربية وعالمية تنتهج السبيل ذاته، تشعر وكأنها تتورّع عن تسمية الشهيد بالشهيد، فتفضل مناداته بالقتيل، وكأنها لو سمته باسمه الحقيقي، فسوف تتجاوز وتنحاز وترتكب إثمًا، أو تُغضب اليهود المساكين المظلومين الذين يعاني مخرزهم الحاد تحت وطأة الكف الفلسطيني النازف، واعجباه!

أو ربما تعتقد وسائل الإعلام هذه أو تلك، عندما تنادي الشهيد شهيدًا أنها تزيده رفعة، فتبخل عليه بذلك، كلا أبدًا، تسميته بالشهيد، أو القتيل، أو الضحية، أو أي اسم كان، لن تغير شيئًا من مكانته عند خالقه الذي اصطفاه، بقدر ما فيها من خسة مَن يبخسونه حقه، وهروبهم من الحقيقة إلى الأمام، فيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.

مع العلم أن كبار نشطاء العدو الصهيوني على وسائل التواصل الاجتماعي يلقبون –ويا للمفارقة- هلكاهم بالشهداء، ومن باب أولى، فهذه الوسائل الإعلامية، والإدارة الأمريكية، والغرب ذو العين الواحدة، والملايين من نوعية المتحيز بيرس مورغان، سوف يعدون مقاومة شعب قابع تحت الاحتلال إرهابًا، والضحية جلادًا، وقتل عشرات آلاف الشهداء من الأطفال والنساء أضرارًا جانبية، وتجويع الناس في غزة خطة عسكرية، وإدانة المقاومة ضرورة، والعدوان الصهيوني الغاشم دفاع عن النفس، ونقد الرواية الصهيونية معاداة للسامية، والناس في غزة حيوانات بشرية.

أما في كيان الاحتلال فهم نواعم أبرياء، وأصحاب الأرض الأصليين متمردون، والمحتلون مضطهدون، والإبادة الجماعية وجهة نظر، وهكذا دواليك، تستمر منهجية التزييف والتحوير إلى ما لا نهاية.

لكنها في خلاصة الأمر كله، تضرب من جديد مسمارًا إضافيًا في نعش الزيف الغربي، وتهز عرشه المهترئ من حدة ازدواجية المعايير التي يمارسها بعدد ساعات اليوم، ويثبت مرة بعد مرة أنه يتعامل مع القضايا الإنسانية العادلة منها والظالمة، بمزاجية لا تتعدى مصالحه، فيلقي بمعايير حقوق الإنسان إلى سلة المهملات وقتما يريد، ويلغي الحرية في الرأي حينما يرغب، ويتجاهل الإنسانية أينما يهوى، وهنا يبرز السؤال المرير، حتى متى سيراهن العرب على أمل في الغرب معقود؟ لإحقاق الحق، وإبراز العدل، ونُصرة الحقيقة، حتى متى سنقنع أنفسنا أن الغرب وأمريكا لم تنته صلاحيتها الأخلاقية؟ ولم تعد معيارًا بأي حال من الأحوال، بعد كشف الزيف، وانفضاح المستور، والخلاصة أنه غرب لديه معضلة أخلاقية ليس فقط مع حقوق الإنسان، وإنما مع تعريف الإنسان بحد ذاته.

المصدر : الجزيرة مباشر