غزة التي أشبعتنا كرامة.. هل يذلها التجويع؟

معبر رفح (رويترز)

من بين أقسى المشاهد التي التقطتها إحدى الكاميرات، والتي ربما ستثبت في ذاكرتنا إلى الأبد، مسنّ يركض بهلع قبل أن يسقط في بركة وحل وهو يحاول الهروب من رصاص الاحتلال، كان كغيره يسعى للحصول على أية كمية من الطحين، عله يعود لعائلته بما يسد رمق الجوع، اصطف مع الطوابير التي كانت تنتظر شاحنة مساعدات قيل إنها قادمة إلى شمال غزة، لكن الاحتلال بدد أحلام الرجل، فلم تأت الشاحنة بل جاء الرصاص من كل اتجاه.

مجازر ترتكب في حق الباحثين عن أبسط مقومات الحياة، الذين يغامرون بالذهاب إلى أفواه الموت بحثًا عن ما يعينهم على الاستمرار، وكم منهم لم يعد أو عاد فارغ اليدين لينام أطفاله جياعًا، ولعل الأكثر إيلامًا أن يموت الأطفال جياعًا.

وعلى الجانب الآخر تصطف آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات منذ أشهر، شاحنات تعبت من حمولتها، ولم يتعب أهل غزة، حتى وإن أخذوا منهم مفاتيح حريتهم وطعام أطفالهم، أهل غزة لا يهانون وإن جاعوا، فكم من بطون متخمة ركعت وكم من بطون تجوفت من الجوع ولم تركع.

تجويع غزة لإذلال أهلها ودفعهم إلى اللجوء

مشهد المجاعة في غزة الذي أصبح يتفاقم، ليس عبثيًّا، نحن أمام تكتيك خطط له الكيان الصهيوني ببراعة منذ بداية الحرب، إذ نفذ نتيناهو حرفيًّا ما نادت به أمّ أحد الأسرى الصهاينة لدى حماس “امنعوا عنهم الطعام والماء والكهرباء، اقصفوهم”، إذن هي حرب تجويع، تستهدف تركيع النفوس وإذلالها، حرب يصبح فيها رغيف الخبز أغلى من الوطن، يأكل فيها الناس أي شيء وكل شيء، فقط لإسكات البطون الخاوية، هي قتل بطيء، يوازي القتل بالقنابل، فمن لم يصبه القصف، يصبه الجوع.

ولعل أبرز ما يسعى الصهاينة إلى تحقيقه من خلال التجويع، أن يكفر الغزيّون بالمقاومة وبحقوقهم ويرضخوا أمام خطط اللجوء الخبيثة، لكنّ هذا المحتل ذا الذاكرة المهترئة ينسى أو يتناسى أن 70% من سكان غزة هم لاجئون بالأصل، فقد تم تهجيرهم من قراهم ومدنهم الفلسطينية المحتلة، هم عانوا أكثر من مرة ونزحوا أكثر من مرة، لكنهم لم ولن يخرجوا من غزة إلا إلى قراهم التي هُجّروا منها.

الغزيّون أمسوا الآن أمام الحرمان من الدفء والغذاء، إذ تتفاقم الأوضاع خاصة في مناطق الشمال، تلك المناطق التي رفض نحو 600 ألف من سكانها النزوح إلى الجنوب، متمسكين بمنازلهم المهدمة، كي لا يتيحوا فرصة للمحتل لإحكام سيطرته على هذا الجزء من الوطن.

ولا يقاوم الغزيّون القتل الممنهج فقط وإنما يقاومون الجوع والحرمان، وقد يكون ذلك أقسى ما يمكن أن يتحمله بشر، يسعون بكل الطرق لإيجاد بدائل لإطعام أطفالهم، فحليب الأمهات جفّ كما جفّت ضمائر من يشاطرهم الهوية والدين، والبدائل شحيحة، لكن العزيمة أقوى، هكذا كانوا طوال حصار امتدّ أكثر من 16 عامًا وهكذا سيبقون.

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وحتى الآن، لم يسمع العالم أن أيًّا من أهل أوكرانيا مات من الجوع، على العكس تمامًا، فقد تدفقت إليهم أنهار من المساعدات من كل صوب وحدب عربية وأجنبية، وفي المقابل تسجل منظمات إغاثية وأممية وفاة أربعة أطفال حتى الآن بسبب الجوع في غزة، وفي ذات الوقت يدير العالم الغربي المتحضر وجهه عن مأساة التجويع في بقعة عربية، ذنبها أنها ليست من نسل القبيلة البيضاء ذات الشعر الأصفر والعيون الزرق.

منظمات الإغاثة تسجل أرقام الضحايا وتدعي العجز

وتتهافت منظمات الإغاثة الأممية لتسجيل أرقام الضحايا، وإصدار تقارير لا تسمن ولا تغني من جوع، كل ذلك دون تقديم حلول عاجلة وفورية، مدعية العجز، إذ يقول برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إن نصف سكان غزة يعانون من الجوع وإن قوات الاحتلال دمرت المناطق الزراعية لحرمان الناس من سبل البقاء على قيد الحياة، لكن في المقابل ماذا فعل هذا البرنامج وغيره من منظمات الإغاثة؟

وعلى الجانب الآخر من معبر رفح تتكدس مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات، وما يدخل منها لا يشكل قطرة ماء في بحر الاحتياجات اليومية للسكان، وتتبرأ إسرائيل وجهات أخرى من هذه المسؤولية، فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر ما زال هذا المعبر يشكل لغزًا، ولا يعرف بالضبط من يحمل مفاتيحه؟ ومن يملك الحل والربط؟ وينظر المجتمع الغربي المتحضر إلى تلك الكارثة دون أن يحرك ساكنًا.

أما في معبر كرم أبو سالم، فقد أظهرت مقاطع فيديو نشرها ناشطون قيام مجموعة من المستوطنين أمام مرأى رجال الشرطة الإسرائيليين بالتظاهر أمام المعبر الذي كانت تقف خلفه شاحنة مساعدات، ومنع هؤلاء دخول الشاحنة مطالبين بإغلاقه، وهم يتراقصون بالأعلام الإسرائيلية، وهو مشهد رأى العالم فيه مستوى التطرف الذي يواجهه الفلسطينيون من هذه الزمرة المريضة.

ولا يخفى على أحد أن الاقتصاد في غزّة كان متدهورًا قبل السابع من أكتوبر، إذ وصلت فيه نسبة البطالة إلى 50%، وأصبح 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانيّة، لكن الوضع الآن لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثة، تلك الكارثة التي نراها ماثلة أمامنا في شاشات التلفزة، لتنضم قرارات محكمة العدل الدولية إلى مؤسسات الإغاثة في إصدار قرارات هي بمثابة توجيهات لا أكثر لإسرائيل، مفادها “أرجوكم أدخلوا المساعدات”.

دعونا نعترف بأن المشهد قاتم وأن حضور الموت أصبح طاغيًا، أين ما وليت وجهك تحوطك المآسي ولا يمكن التكهن بما هو قادم، لكن ما نعرفه أن أهل غزة لا يشبهون أحدا، فهم منكبّون على الرفض، رفض الاحتلال والظلم مهما كلفهم ذلك، كما يقول محمود درويش: “من جمال غزة أنها منكبة على الرفض، لا شيء يشغلها ولا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو، الجوع والرفض، العطش والرفض، التشرد والرفض، التعذيب والرفض، الحصار والرفض والموت والرفض، إنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة”.

المصدر : الجزيرة مباشر