أسئلة “مصر الثقافة والهوية” لخالد زيادة

غلاف كتاب خالد زيادة (منصات التواصل)

سؤالان محيران يجدهما المثقف المصري حاضرَين عند زيارة بلد عربي: ما الذي جرى لمصر ودهاها؟ وأين مصر؟. وبمرور السنوات، أصبحت الحمولة العاطفية خلف السؤالين بين اندهاش وحسرة لا تجد حرجا في الإفصاح عن نفسها، فيسبق القلق، بل والجزع، حديث العقل. وكذا حسابات السياسة، ومفارقة مجريات الواقع الراهن، ومعاندتها للمكانة التاريخية ولمقتضيات الجغرافيا السياسية وواجباتها.

التغيرات التي لحقت بمصر ثقافة ودورا ومكانة في إقليمها تترجم نفسها في بيروت على نحو خاص. صحيح أن لبنان الثقافة والفنون ونشر الكتاب والصحافة لم يعد بدوره كما كان، لكن لا يمكن لعين تلاحظ وتقارن بالماضي ألا تدرك انحسار ما هو مصري من واجهات المكتبات وعن صفحات الصحف، وحتى نشرات الأخبار وبرامج القنوات التلفزيونية المحلية، وكذلك عند “الدردشات” بين عامة اللبنانيين عن نجوم الفنون الأكثر شعبية.

ورحم الله زمانا كانت جريدة “الأهرام” فيه تنافس توزيعا أكثر الصحف اللبنانية انتشارا عند باعتها المعروفين بشارع “الحمرا”، وكانت مجلات بيروتية تحقق رواجها من ملاحقة أخبار أهل الفن في مصر.

عن سياق اهتمامات

مؤلف الكتاب

وعلى خلاف هذا الحال، صدر منذ أيام معدودة من بيروت كتاب “مصر الثقافة والهوية” للمؤرخ والباحث اللبناني “خالد زيادة” وسفير بلاده في القاهرة بين 2007 و2016، عن “المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات”. والكتاب وثيق الصلة بلحظتنا الصعبة هذه وبأسئلتها. وهذا على الرغم من لغته الهادئة المتحفظة إلى حد “الدبلوماسية”، وسمته الأكاديمي إذ جرى توثيق فصوله ونصوصه بـ158 مرجعا مطبوعا، ومن بينها 131 من القاهرة، وبتواريخ نشر بين 1937 و2022. وبعض هذه المراجع طبعات لاحقة لمخطوطات ظهرت قبل نحو قرنين وأكثر.

ولا يمكن بأي حال تجاهل موضع الكتاب في سياق انشغال مؤلفه المبكر بقضايا العلاقة بين المثقف والسلطة، وبتطورات هذه العلاقة ومراحلها منذ محاولات إصلاح الدولة العثمانية وتحديثها، ثم باجتهادات النهضة العربية قبل الاستقلال عن الاستعمار، وبالأخص أدوار المثقفين في بناء الدولة العصرية منذ القرن التاسع عشر، وبمدى الانفصال أو الاتصال مع ما هو ديني، وبالعلاقة المعقدة المتوترة بين المثقف في تكويناته الحديثة وسلطة هذه الدولة.

وللدكتور “زيادة” في هذا كتب ودراسات، لعل أبكرها وأكثرها شهرة عند القراء جاء بعنوان “كاتب السلطان: حرفة الفقهاء والمثقفين”. وتعود طبعته الأولى إلى عام 1991، وصدرت عن دار نشر “رياض الريس” اللبنانية، وإن أُسست هذه الدار في لندن. ويُعَد ذلك الكتاب بمنزلة الأساس في انشغاله البحثي بهذه القضايا. وأظنه وجد اهتماما عند نخبة من المثقفين المصريين، ومن بينهم باحثو التاريخ، إذ كانت المقابلة والمقارنة بين حالتي مصر والشام حاضرة بوضوح في صفحات الكتاب والنقاشات التالية على إصداره، ومع الاستعانة به لاحقا مرجعا معتبرا في أبحاث وكتابات مصرية.

والحقيقة أن المقارنة تظل ثرية وملهمة ومنتجة للمزيد من الأسئلة على أصعدة التاريخ والاجتماع والثقافة بين نشأة المثقف المعاصر وعلاقته بتكوين الدولة الحديثة في مصر (وبخاصة المحطات المفصلية لمحمد علي/ إسماعيل/ عبد الناصر) وبوصفها ترتكز إلى كيان/وحدة جغرافية سياسية مركزية ضاربة في أعماق العصور، وبين ما جرى في الشام مع تعقيدات التنوع الديني والمذهبي والتعدد الطائفي و”سيولة” الوحدات السياسية السيادية وضعفها وتضعضعها، وحتى انبثق ما تفتح عليه النظر والوعي بين الحربين العالميتين من تسميات مستحدثة لدول: لبنان وسوريا والعراق والأردن.

بحثا عن روح

الوطنية المصرية

القارئ لكتاب الدكتور “زيادة” الجديد، وخاصة عندما يكون مصريا متابعا لإسهامات مواطنيه بعد هزيمة 1967 في إعادة كتابة وتفسير تاريخ البلد، يجد جهدا مقدرا في البحث عن روح الوطنية المصرية على مدى قرنين من الزمان والوعي بالهوية القومية للمصريين. وهذا من خلال تنقيب الباحث المؤرخ وبشغف فيما دونت أجيال من المؤرخين والكُتاب المفكرين والأدباء ومقارناته بينها ورصد تطورها، ومع الاهتمام بكيف وبأي أساليب وطرائق ولغة كتبوا؟ وكذا بما تنطوي عليه هذه الكتابات من توثق لتطور النظر والرؤى إزاء السلطة/الدولة ومكونات المجتمع والقوى والمجموعات الوافدة.

وثمة مزاوجة أو مزج بين تطور المضامين وأنواع السرد واستراتيجيات الكتابة، وانطلاقا من التراجم والأخبار/الوقائع والحوليات عند “الجبرتي” و”ابن إياس” و”حسين المرصفي”، إلى مرحلة من أعلامها “الطهطاوي” وعلي مبارك” و”محمد عبده”. ثم ما بعد ثورة 1919، إذ أولى الكتاب اهتماما بين المؤرخين بأعمال “عبد الرحمن الرافعي” و”محمد صبري السربوني” و”شفيق غربال” و”أحمد عزت عبد الكريم” و”صبحي وحيدة” و”حسين مؤنس” وغيرهم. ولاحقا وبعد ثورة يوليو وإلى الآن مثل “رؤوف عباس” و”طارق البشري” و”عبد العظيم رمضان”، وصولا إلى جيل “خالد فهمي”.

ولم يغفل الكتاب ما هو خارج مدارس التاريخ واتجاهاته، فتناول السرديات الأحدث والأكثر تطورا وتأثرا بأوروبا، كالرواية والقصة والبحوث السياسية والاجتماعية وكذا الكتب الفكرية والسياسية التي كان لها أثر في بناء الوعي بالوطنية المصرية لـ”العقاد” و “طه حسين” و”سلامة موسى” و”توفيق الحكيم” وآخرين.

هل أسرف في استخدام

مصطلح “الليبرالية”؟

ويصعب أن نلوم الكتاب على إغفال أعمال لأسماء لا تقل أهمية مثل “عبد الله النديم” و “خالد محمد خالد”، وبالطبع المؤرخ “محمد أنيس”، وهؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، وهذا لأن تناول عطاء من أسهم في تطور الفكر المصري الحديث مهمة مستحيلة، أو لنقل مجنونة.

ولكن لأن لكل انتقاء منطقا يحكمه، ربما تثار هنا أسئلة من قبيل: هل كان المعيار الحاكم هو اعتماد الاكثر تعاونا مع سلطة الدولة والبناء من داخلها والأقل جذرية في معارضتها؟ وهل ألزم الكتاب نفسه بتعريف للمثقف بوصفه بالأصل والأساس “حداثيا علمانيا”؟ وهل أسرف الكتاب في استخدام مصطلح “الليبرالية”؟ فجعله يستوعب أو يبتلع جماع الوطنية المصرية وتياراتها، ويطلقه على اجتهادات ومثقفين منتجين مبدعين “إصلاحيين/نهضويين” لم يكونوا قد أدركوا في زمانهم ظهور هذا المصطلح، ومتأخرا في أدبيات علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد، وكذلك نصوص الصحف عندنا.

وتضاف إلى هذا أسئلة أخرى يستدعيها كتاب بهذه الأهمية وفي هذا التوقيت وينطوي على كل هذا الجهد، ويتقدمها: هل كان في أي مرحلة وإلى اليوم لدينا في مصر أو عموم الفضاء العربي سلطة حكم تفصل بحق الدين عن الدولة؟ أم ما زالت السلطة هنا وهناك، ومعها قوى معارضة، توظف الدين وتعمل على احتكاره لصالح شرعيتها وانحيازاتها الاجتماعية والسياسية؟

وهل نأمل استكمال هذا الجهد بكتاب تالٍ يفحص تأثير الخلط بين الحاكم الفرد والسلطة والدولة والوطن على تطور الوعي بالهوية المصرية ومفهوم “الدولة الوطنية المستقلة”؟ وإلى أي مدى يصح التسليم والاستسلام ببساطة بأن هوية مصر هي “الدولة” ثم “النظام”؟ وألا يطرح علينا تاريخ المثقفين وواقعهم إلى الآن أكثر من تحد لهذا الاختصار والاختزال؟

وهل من اجتهادات في البحث عن مصادر تسمح بكتابة تاريخ تطور وعي قوى اجتماعية كالفلاحين بالوطن والدولة وبالهوية الجمعية، وبفصل ما هو ديني عما هو سلطوي وسياسي؟

 

***

لا يقلل من قيمة الكتاب وأهميته ما يبدو من تفاوت بين الفصول الثلاثة الأخيرة وخاتمته، مقارنة بالجهد الكبير المبذول في الستة الأولى التي تناولت وبحثت حتى نهاية عهد الرئيس “السادات”، أو إطلاق أحكام تبدو غير نسبية ومعها تعميمات محل نظر واختلاف، وبخاصة ما يتعلق منها بالمثقفين في عهد “مبارك” وما بعد ثورة 25 يناير 2011 وبمصائرهم اليوم، أو تلك التي تذهب، وبدون تحفظ أو استثناء، إلى القول بانغلاق مصر وتعالي مثقفيها أمام الإنتاج الثقافي في المجتمعات العربية الأخرى.

ولكن تظل قيمة هذا الكتاب وفي هذا التوقيت، ومن ملامحه العجز أمام التجبر الإبادي الصهيوني على غزة والمنطقة، أنه يقرع الجرس، لينبه إلى تراجع دور مصر الثقافي ومكانتها واعتلال العلاقة بين مثقفيها والدولة. وهي رسالة مهمة ومقدَّرة، خصوصا عندما تأتي من مثقف لبناني صديق لمصر والمصريين، ولم يكن يوما -باحثا أو دبلوماسيا- في خصومة أو صدام معها أو معهم.

نحن أولا وأخيرا أمام كتاب جاد، يستحق القراءة والنقاش، وبخاصة من المصريين. وليس أقل أن ينفوا عن أنفسهم شبهة عدم الاكتراث بالمنتج الثقافي خارج بلدهم، وهذا ولو ساد الظن الآن بأنه لم يعد لدى المصريين إلا القليل، والقليل جدا، ممن ظل يكترث بحال بلده “الوطن” بالأصل.

المصدر : الجزيرة مباشر