لا تستسلم أبدا.. ولا تجعل العمر عثرة أمام تحقيق أحلامك

(منصات التواصل)

 

(1) ملاحقة الحلم المستحيل

نعيش نحن الشعوب العربية في قلب عاصفة من المخاوف وعدم اليقين من إمكانية تغيير الأحوال إلى الأفضل، وهو ما يسبب لنا شعورا بالعجز ويشيع بيننا روح الانهزامية والسلبية، ولكن ماذا لو آمن كل منا بأنه هو نفسه مشروع التغيير وبداية الحلم.

هذا المفهوم وجدته في فيلمين شاهدتهما مؤخرا، وجدت أن عرضهما قد يلهم القراء لإيجاد باب الخروج ومخرج الإنقاذ، أولهما فيلم “نياد” (Nyad) وهو أمريكي من إنتاج العام الماضي وتم ترشيحه لجائزتي أوسكار، حيث رشحت الممثلة الأمريكية أنيت بينينج (65 عاما) لجائزة أحسن ممثلة دور أول وجودي فوستر (61 عاما) لجائزة أحسن ممثلة مساعدة، وهو مأخوذ من كتاب ديانا نياد “Find a Way”.

وهو سيرة ذاتية للسبّاحة الأمريكية الأولمبية السابقة ديانا نياد التي حققت وهي في الرابعة والستين من عمرها ما لم تحققه سبّاحة أخرى: السباحة من كوبا وحتى شاطئ كي ويست بولاية فلوريدا الأمريكية من بدون قفص لأسماك القرش، والمسافة بينهما تصل إلى أكثر من 165 كيلومترا وتحتاج إلى سباحة متواصلة نحو يومين ونصف، في ظروف صعبة للغاية.

فهي تسبح في المحيط وسط أسماك القرش معرضة للساعات قنديل البحر التي يمكن أن تكون مميتة، وسط دوامات البحر وتقلبات الطقس واحتمال هبوب العواصف الشديدة التي تبعدها عن مسارها وتستهلك طاقة جسدها.

الفيلم ينقلنا بطريقة الفلاش باك إلى سيرة نياد في مختلف مراحل حياتها لكن يركز على ما بعد الستين، حين شعرت بأنها على وشك الوصول إلى نهاية الحياة ولم تكمل حلمها، فقبل 32 سنة حاولت السباحة من كوبا إلى فلوريدا، لكنها بسبب الرياح القوية، اضطرت إلى التخلي عن محاولتها، وأعلنت اعتزالها السباحة وأصبحت مذيعة رياضية.

عند بلوغها الستين قررت أن تكمل مهمتها وأن تقوم بمحاولة جديدة لما سبق أن أخفقت فيه وكلها إيمان بقدرتها على بلوغ الحلم، فلديها الآن عوضا عن الفتوة وقوة الجسد الإرادة والصبر والتروي، آمنت بها صديقتها المقربة بوني ستول “جودي فوستر” التي أصبحت أيضا مدربتها، وضمت إليها قبطانا مريضا يحلم بمغامرة كبرى ينهي بها حياته العادية.

كانت شخصية نياد المفعمة بالحماس والإيمان بقدراتها على التغلب على كل العقبات ملهمة للفريق المساعد لها الذي قرر أن يشاركها المغامرة التي أعطتهم معاني مختلفة تستحق التضحية، كررت المحاولة لعدة مرات ولم تنجح إلا في المحاولة الخامسة، على مدى أربع سنوات، ورغم العقبات الكثيرة التي واجهتها لم تستسلم أبدا، وحين وضعت قدمها على رمل شاطئ كي ويست بفلوريدا منهية هذا السباق الكبير بنجاح غير مسبوق قالت ثلاث جمل ملهمة:

  • لا ينبغي أن نستسلم أبدًا
  • لاحق أحلامك مهما بلغت من العمر
  • السباحة تبدو وكأنها رياضة فردية، لكنها تحتاج إلى فريق

الفيلم يقدم تجربة إنسانية ملهمة، تحفزنا على مراجعة تفاصيل حياتنا والتفتيش عن مشاريعنا المنقوصة وأحلامنا المنسية في زحام حياتنا اليومية الرتيبة.

 (2) تغيير حياة العالقين في خيبات الأمل

“The Holdovers” فيلم أمريكي من إنتاج 2023 مرشح لخمس جوائز أوسكار: أفضل فيلم وسيناريو أصلي ومونتاج، وأفضل ممثل لدور رئيسي “بول جياماتي” وأفضل ممثلة لدور ثانوي “دافين جوي راندولف”. يُترجَم الفيلم إلى “المتبقون”، لكنني أفضل ترجمته إلى “العالقون”؛ فالشخصيات التي يتمحور حولها الفيلم عالقة في خيبات الأمل التي واجهتها في الحياة رغما عنها.

يبدأ الفيلم مع استعداد الطلاب والموظفين لمغادرة مدرسة أكاديمية بارتون النخبوية لقضاء إجازة عيد الميلاد مدة أسبوعين.

تدور أحداثه في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، يفرض مدير المدرسة على المدرس بول هونهام البقاء في المدرسة لرعاية الطلبة الباقين في المدرسة لعدم استقبال أسرهم لهم في العطلة، ثم ينتهي الحال ببقاء ثلاثة أشخاص، المدرس الغريب الأطوار بول هونهام (بول جياماتي)، والمراهق الغاضب المنبوذ أنجوس تول (دومينيك سيسا)، ورئيسة الطهاة ماري لامب (دافين جوي راندولف).

يجد الثلاثة أنفسهم مجبرين على قضاء العطلة معًا، في البداية يبدو كل منهم وكأنه جزيرة منعزلة عن الآخر حتى يذوب الجليد بينهم ويتقرب المدرس الكريه الطباع والرائحة منهما وتبدأ أسوار العزلة في السقوط ومعها أسرار حرص كل منهم على إخفائها، فنعرف أن المدرس لم ينه دارسته الجامعية ولذلك يظل منعزلا في مدرسة بارتون ويشعر بأنه غير مرغوب فيه من العالم كله بسبب رائحته الكريهة (بسبب متلازمة جسدية) ولسانه السليط وبلادة مشاعره.

أنجوس الطالب الذي طردته ثلاث مدارس من قبل يعاني بسبب مرض والده العقلي الذي حوله إلى شخصية عنيفة اضطرت معها زوجته إلى إيداعه مستشفى أمراض عقلية وطلقته وتزوجت رجلا ثريا، ويخشى أنجوس أن يعرف زملاؤه ذلك فيدعي أن والده متوفى كما يخاف أن ينتهي به الحال كوالده في مستشفى للأمراض العقلية وحيدا وخاصة مع غياب أمه بسبب زواجها وعدم دعمها له، أما ماري فهي تحاول أن تبدو متماسكة أمام الجميع لكنها منهارة تماما، وهي تداوي حزنها العميق بتجرع الخمر وحدها، ورغم تعرضها للازدراء من الطلبة الأغنياء بسبب كونها من طبقة العِرق الأسود، فإنها وافقت على العمل في الأكاديمية حتى يتمكن ابنها من الالتحاق بالمدرسة وهي الآن عالقة في المدرسة رغم وفاة ابنها الوحيد وهذا أول عيد ميلاد يمر عليها من دونه.

تنمو علاقة ثقة وودّ تربط بين الثلاثة ويبدأ كلّ من المدرس والطالب في رؤية العالم من خلال الآخر وتنمو بينهما علاقة أشبه بعلاقة الأب بابنه فيها الثقة والدعم والمساندة التي يفتقدها كلاهما في حياته، وتتجلى مظاهر هذه العلاقة حين يضحي المدرس بمستقبله المستقر في المدرسة حتى لا يطرد منها أنجوس بسبب زيارته لوالده دون علم والدته، يتحرر بول من خوفه وعزلته ويقرر أن يبدأ تغيير حياته ويقرر السفر إلى قرطاج التي حلم دوما بزيارتها، ينطلق إلى المجهول بروح جديدة أكثر خفة ومودة وإنسانية. ورسالته لنا جميعا: يمكننا تغيير حياتنا مهما كان عمرنا ومهما كان معاناتنا مع خيبات الأمل.

المصدر : الجزيرة مباشر