مفاوضات ومحاكم ما قبل التاريخ

لنا أن نتخيل أن العالم يقف على قدم وساق الآن، انتظارًا لموافقة الكيان الإسرائيلي على وقف الإبادة بحق شعب يقبع تحت الاحتلال في قطاع غزة، العالم يتوسل الحد من أعداد القتلى بشكل يومي في صفوف المدنيين الأبرياء، الحد من قتل النساء والأطفال، الحد من قصف المستشفيات والمسعفين، السماح بإدخال الغذاء للجوعى والدواء للمرضى، عدم استهداف الصحفيين، عدم استهداف منظمات الإغاثة وفرق الإنقاذ، عدم “التوسع” في قصف النازحين واللاجئين، استخدام أسلحة أقل فتكًا ودمارًا، الإفراج عن أسرى قضى بعضهم في سجون الاحتلال ما يزيد على ربع قرن من الزمان، الانسحاب من أراضٍ محتلة بحكم القوانين والأعراف والقرارات الدولية، وقف الاغتيالات وهدم المنازل وتدمير دور العبادة، إلى غير ذلك من كثير.
في ظل هذه الأحداث، وفي ظل ذلك الدعم الخارجي الذي يحصل عليه كيان الاحتلال على المستويات كلها العسكرية والمالية والسياسية، من المفترض أن يؤمن الرأي العام العالمي، بأننا نعيش في عالم متحضر، يحكمه القانون، من المفترض أن نعتقد بحضارة الغرب وأخلاق الدول الكبرى، من المفترض أن نثق في وعودهم ونظرتهم إلى غيرهم من الأمم الأقل تطورًا على المستويات العلمية والتكنولوجية أو حتى الاقتصادية، من المفترض أن نرسل طلابنا في بعثات للاستزادة من خبراتهم وسلوكياتهم، من المفترض أن نصغى لإملاءاتهم علينا فيما يتعلق بالحريات والأخلاق والقانون، من المفترض أن نثق في إعلامهم، وننهل من إنتاجهم الدرامي والثقافي.
الكل فشل
المظاهرات والاحتجاجات حول العالم لم تنجح في إثناء الكيان الصهيوني عن مخططاته الدموية، مجلس الأمن الدولي فشل -على مدى خمسة أشهر- في إصدار قرار يوقف هذه الهمجية، محكمة العدل الدولية أخفقت في إصدار توجيهات تحمل المعنى نفسه، الآن كل ما هو مطلوب الحد من الدمار!!
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
منحت المحكمة كيان الاحتلال مهلة 30 يومًا للحد من أعداد القتلى، لا أكثر من ذلك ولا أقل، بهدف الخروج من تهمة الإبادة إلى اتهامات أخرى أقل وطأة، كانت النتيجة قتل أكثر من 3500 مواطن فلسطيني، ما بين رجل وامرأة وطفل، إصابة أكثر من 6500 آخرين وتنفيذ أكثر من 400 مجزرة، كانت النتيجة أيضًا الحد من دخول المساعدات الإنسانية إلى النصف مقارنة بالشهر السابق على مهلة المحكمة، كانت النتيجة المزيد من القصف والدمار، المزيد من الاعتقالات في صفوف المدنيين بالضفة الغربية، والتنكيل بالأسرى في سجون الاحتلال.
نحن إذن أمام عالم البلطجة، شريعة الغاب، في ظل نفاق دولي رسمي واضح، يرفض وقف الإبادة، ويأبى الضغط على كيان الاحتلال، هذه هي الحقيقة التي كانت واضحة منذ اليوم الأول للعدوان، إلا أن العرب -كما جرت العادة- ساروا خلف المنظمات والقوانين الدولية والعواصم الراعية للظلم والطغيان، على الرغم من أن رحلات البر والبحر والجو، المحملة بالأسلحة المقدمة لذلك الكيان لم تتوقف يومًا واحدًا، أيضًا لم يتوقف الدعم في المحافل الدولية، من منظمات وجمعيات ومحاكم، لم يتوقف الدعم الإعلامي ولا الزخم الدبلوماسي، ولا السند المالي والاقتصادي، وهو الأمر الذي يرفع -بشكل مباشر- من وتيرة الدمار وأعداد القتلى، وحجم المأساة، وهو ما أدركه المتظاهرون في كل مكان، من خلال دعوة أنظمتهم إلى وقف ذلك الدعم، إلا أن أصحاب القضية ما زالوا يعولون على هذه العاصمة أو تلك المحكمة.
مفاوضات ما قبل التاريخ
نحن إذن أمام مفاوضات ما قبل التاريخ، ممارسات العصور الوسطى، سياسات الأمر الواقع، البقاء للأقوى والأكثر شراسة، خاصة إذا علمنا أن كل ما يمكن لمحكمة العدل الدولية القيام به في حال الإدانة، هو رفع مذكرة للأمم المتحدة، التي سوف تقوم بدورها بتوجيهها إلى مجلس الأمن، وهنا يسكت الكلام ويسود الصمت، ذلك أن العالم -العالم كله– يعي المصير المحتوم، ما دمنا أصبحنا تحت مقصلة “الڤيتو” سيء السمعة، الذي يعود بنا أيضًا إلى عصور القوة وهيمنة المستعمرين والمحتلين، وقد وثقتهم كتب التاريخ بأبشع الممارسات، التي بدأت باستقدام الأحرار من أقصى بقاع الأرض لاستخدامهم عبيدًا، ولم تتوقف عند حد استخدام السلاح النووي لقتل المدنيين في المدن الآمنة.
هذه هي الحقيقة المفجعة، لا هؤلاء أعلنوا توبتهم، ولا أولئك أعلنوا اعتذارهم، وها هو الرئيس الأمريكي جو بايدن، يؤكد ذلك التوجه بالحديث عن أمله في التوصل إلى اتفاق “هدنة”!! وكأنه لم يكتف بقتل ما يزيد على 30 ألف شخص، وها هي المفاوضات الماراثونية، التي أعلن إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، أن المحتل يهدف بإطالة أمدها إلى التغطية على جرائمه، وها هي الدعوات الغربية بشكل عام إلى مجرد ضمانات قبل غزو مدينة رفح، بعدم التوسع في قتل المدنيين، وهو ما يدركون استحالة تنفيذه على أرض الواقع، في ظل هذه النازية التي يمارسها كيان الاحتلال على مدار الساعة.
عندما يأمل العالم في مجرد الحد من أعداد القتلى في صفوف المدنيين الأبرياء، وعندما يترقب العالم مفاوضات تهدف إلى هدنة يمارس المحتل في أعقابها همجية القتل والدمار، وعندما تبحث المحاكم والمنظمات الدولية في مدى الإبادة وحجمها لمجرد إصدار بيان، نحن إذن أمام مجتمع دولي رسمي يمثل خطورة على البشرية من الوجوه كلها، عالم مخيف لا نأمن منه وفيه على الأجيال المقبلة، ذلك أننا أمام سياسيين عنصريين وقادة ساديين، حدثتنا عن أمثالهم كتب التراث وروايات الجاهلية، باعتبارهم من الماضي السحيق، وها نحن نعيش عصور الجاهلية في أبشع صورها، عصور التمييز العنصري، ليس بالقول والحكايا كما جاء في الأثر، إنما بالفعل، كما جاء بالطائرات والسفن والشاحنات المحملة بالأسلحة من أنظمة الجاهلية، المسماة متحضرة!! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
