رمضان والهدنة ورسائل الاستهزاء الإسرائيلية

رمضان في مخيمات اللاجئين بقطاع غزة (الفرنسية)

في توقيتات القرارات السياسية، تكمن دائمًا رسائل سياسية، يريد طرف ما بثها إلى طرف آخر.

أبرز مثال في التاريخ الحديث، تجسَّد في تنفيذ حكم إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، صبيحة اليوم الأول لعيد الأضحى المبارك، بعد الصلاة مباشرة، حيث ينصرف المسلمون القادرون عادةً إلى نحر الأضاحي، عملًا بقوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

كانت الرسالة الأمريكية إلى الأمة العربية -أو قل إلى زعمائها- واضحة “هذا الذي تحدى الهيمنة الأمريكية، وتجرّأ على الخروج عن سمع وطاعة واشنطن، ها هو يُنحر في اليوم الذي فيه تنحرون”.

عقب إعدام صدام، وصلت الرسالة واضحةً إلى الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، فإذا بهواجس الرعب تحدو به إلى إعلان تخليه عن برنامج أسلحة الدمار الشامل لبلاده، داعيًا المجتمع الدولي إلى تفكيكه.

كان احتلال العراق، وتدميره دمارًا شاملًا، وحل جيشه ومؤسساته الوطنية، وسرقة آثاره وثرواته، رغم مأساويته، ليس مصدر قلق للقذافي، لكنه حين رأى رأس صدام تلتف حوله المشنقة، تحسس رقبته وقرر أن ينجو بنفسه.

هكذا يفعل الديكتاتوريون في كل زمان ومكان، لا يعنيهم إلا الحفاظ على حيواتهم وأمنهم الذاتي، ولتذهب بلدانهم إلى الجحيم.

على المنوال ذاته، كان توقيت عملية طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، رسالة إلى إسرائيل، بأن الأمة التي عبر جيشها المصري القناة، بعدما أجهز على أسطورتي الجيش الذي لا يُقهر، وخط بارليف الحصين، في ست ساعات، قادرة على اجتراح المستحيل وصناعة المعجزة، في الذكرى الخمسين للعبور المجيد.

رسالة متعجرفة

واليوم ثمة رسالة إسرائيلية فظة متعجرفة، بالتزامن مع حلول شهر رمضان الذي تعي دولة الاحتلال جيدًا، وتعرف إدارة الرئيس الأمريكي بايدن كذلك، ما له من مكانة معنوية روحية في نفوس المسلمين.

الرسالة هي رفض الهدنة، بذريعة أن شروط حركة المقاومة “حماس” متشددة، أو وفق تصريحات مجرم الحرب نتنياهو “لا يمكن تطبيقها”، هذا في الظاهر، أما ما بين السطور، فالاستخفاف بمشاعر ملايين العرب والمسلمين، والارتكان إلى أن الأنظمة القمعية العربية كفيلة بكبح طوفان الغضب الشعبي، مهما أمعنت آلة الحرب الصهيونية في جرائم الحرب ضد الغزيين المحاصرين.

دع عنك تفاصيل الخلافات التي تعرقل الهدنة، ولا تلتفت إلى ما يقال عن أن “حماس” رفعت سقف المطالب إلى حد غير مقبول، كما يتشدق “المتصهينون العرب”، ولا تلتفت إلى قنوات فضائية عربية، تصب لعناتها على المقاومة ضمنيًّا في سياقات تقاريرها، وتختار من المحللين من “يُحلِّل سفك دماء الفلسطيني”، أو يتهم “حماس” بالمسؤولية عنها، أو يدعي أن الحركة لا تريد هدنة، فهذه أكاذيب تدفع بها عواصم التطبيع، بغية إتمام الاتفاقيات الإبراهيمية، بعد انكشاف سوءاتها أمام شعوبها.

الحكاية وما فيها أن إسرائيل لم تشبع بعد من الدم الفلسطيني، وتبتغي استمرار جرائم الحرب سعيًا إلى تطهير قطاع غزة عرقيًّا، إما بالإبادة قصفًا أو تجويعًا، وإما بإجبار سكان غزة الصامدين على أرضهم، على الفرار إلى شبه جزيرة سيناء.

رد رئيس حكومة الحرب الإسرائيلية على مطالب “حماس” لتدشين الهدنة، ينسف فكرة المفاوضات من الأصل، إذ يقول “لن تنتهي الحرب بغير القضاء على المقاومة كليًّا”، ذلك رغم أن التقارير والتقديرات الاستراتيجية والاستخباراتية الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، تقول باستحالة تحقيق هذا الهدف، وتأويل ذلك يرجع إلى عوامل متشابكة، ليس المجال ملائمًا لذكرها.

السقف الإسرائيلي لوقف العدوان ليس مرتفعًا فحسب، بل إنه من المستحيل بلوغه، والعقبة الرئيسية أمام الهدنة، تكمن في أن ساقطًا هو نتنياهو، يعلم أن وقف إطلاق النار سينتهي برصاصة الرحمة إلى تاريخه السياسي، إذ سيسقط عن كرسي رئاسة الحكومة لا محالة، وكذلك قد يقف أمام القضاء متهمًا بالتورط في جرائم فساد.

على الطرف الآخر، يبدو بايدن وإدارته أضعف من الضغط على نتنياهو، رغم التبعات التي تنشأ على مستقبل الإدارة الديمقراطية في الداخل الأمريكي، إثر ارتفاع منسوب الغضب الشعبي، جراء اشتراك واشنطن مع سبق الإصرار في الجرائم الإسرائيلية النازية ضد الشعب الفلسطيني.

ما يأتي من أخبار من البيت الأبيض، يكشف أن الضغط الأمريكي على إسرائيل، يتردد ما بين الخشونة والرخاوة في آن، فالرئيس بايدن يقول في موضع بعد ما قدمته “حماس” من مقترحات “لا أعذار لإسرائيل الآن في مواصلتها منع دخول شاحنات المساعدات”، لكنه يعود في سياق آخر، فينحي باللوم على المجني عليهم، لأنهم طلبوا تسهيل دخول المساعدات لا أكثر، وبالتوازي يعلن إسقاط مساعدات غذائية بالطائرات، في إجراء لا يحل الأزمة، ولا يغيث الفلسطينيين الذين يموتون جوعًا، لكنه فيما يبدو محض محاولة لذر الرماد في عيون معارضيه.

الوضع يمهد لانتفاضة رابعة

الواضح جليًّا أن إسرائيل ترفض الهدنة، وأمريكا لا تستطيع أو بالأحرى لا ترغب في الضغط عليها، هذا رغم مقولة بايدن “إن لم تتوصل إسرائيل وحماس إلى وقف إطلاق النار قبل شهر رمضان، فسنكون إزاء وضع خطير للغاية في غزة والقدس كذلك”.

الوضع الخطير الذي يحذر منه بايدن، يتمثل في احتمال اندفاع انتفاضة رابعة في الضفة الغربية، إذ ليس منطقيًّا أن يبقى الفلسطينيون صامتين بلا حراك، في الوقت الذي تبث وكالات الأنباء مشاهد الأطفال من بني جلدتهم، ومنهم الخُدّج في الحضانات، إذ يلفظون أنفاسهم الأخيرة، إثر الجوع الذي يدمر وظائف أجهزة أجسامهم الضئيلة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن جميع المؤشرات تتجه إلى أن الصلف الإسرائيلي سيعرقل الهدنة، وما في ثنايا السطور يشي بأن هناك إرادة مجنونة لدى رجل “نيروني النزعة”، يريد حرق الأرض بمن عليها، راغبًا في إنقاذ رأسه فقط، وليذهب الأسرى الإسرائيليون، وليذهب بايدن، ولتذهب دوائر الحكم العربية المتورطة في التطبيع أمام شعوبها إلى الجحيم.

مع حلول شهر رمضان المعظم، تصر إسرائيل على استثارة مشاعر الأمة، عبر الإمعان في تجويع الفلسطينيين، وتواصل إرسال رسائل العجرفة والاستهزاء بهذه المشاعر، وهي إذ تمضي في الغي والضلال، تدرك جيدًا أن الانفجار وارد في أي لحظة، وأغلب الظن أن نتنياهو والذين معه يخططون لذلك، مع سبق الإصرار والترصد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان