هدنة أم لا.. المقاومة تنتصر

“الأمر بيد حماس”، أخيرًا نطقها جو بايدن وهو يسابق الزمن داعيًا الحركة إلى القبول بوقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل حلول شهر رمضان.
فالرئيس الأمريكي يعي جيدًا أن الواقع الميداني يؤكد أن كلمة المقاومة -منذ البداية وحتى اللحظة- هي العليا.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وسواء نجحت الجهود الراهنة في وقف القتال أم لم تنجح، فقد بات واضحًا أنها لا تستهدف وقف عمليات الإبادة المستمرة منذ أكثر من 5 أشهر، أو –لا سمح الله– احترام قدسية الشهر الفضيل لدى الأمة الإسلامية، لكنها تسعى لإنقاذ الاحتلال من مستنقع الوحل الذي وقع فيه، وهو ما أعرب عنه عجوز البيت الأبيض حينما قال (أخشى من وضع “خطير للغاية” في إسرائيل والقدس إذا لم يتم التوصل لوقف القتال)، وبكل تأكيد من خلال ما لديه من معلومات يدرك بايدن حجم الأزمة التي يعيشه الاحتلال، ولعله يشير من طرف خفي إلى تقارير سرية وخطرة (منها وثيقة أعدها وزير الحرب الصهيوني وكشفتها صحيفة “يديعوت أحرونوت”) تحذر من “انفجار” الأوضاع في الضفة والقدس خلال الشهر المبارك.
لكن عبثية المشهد غير المسبوق تتجلى في سعي “اللوبي” العاجز عن تحقيق أهدافه بالقتال إلى ممارسة الضغوط لإنجازها عبر التفاوض، وفي سياق هذه “الرغبة المسعورة” لإقرار الهدنة يمكن تفسير التصريحات المتتالية والمتصاعدة من القادة السياسيين لحركات المقاومة بداية مما قاله إسماعيل هنية -رئيس حركة “حماس”- والقيادي أسامة حمدان بمفردات متقاربة يؤكدان من خلالها بثبات (للصهاينة وللولايات المتحدة -ومن معهما- أن ما عجزوا عن فرضه في الميدان لن يأخذوه بمكائد السياسة)، وبكل تأكيد فإن هذا أيضًا ما دعا محمد الهندي نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي ليكون أكثر قسوة في هجومه على الأنظمة العربية –خاصة الضالعة في عملية التفاوض– بقوله (إن النظام العربي أثبت أنه من دون قيمة، وهو إما عاجز وصامت أو متواطئ، ويرى في المقاومة خطرًا على مصالحه).
باراك يفضح مخطط أوهام الدولتين
التصريحات السالفة لا تحتاج ما يدعم مصداقيتها، فالشواهد عديدة تصب في الاتجاه ذاته، وبكل أسف تكشف حجم الضغوط والمساومات التي تتعرض لها المقاومة من أجل القبول بهدنة وفق المقاييس –ولا نقول الشروط فالآخر ليس في أوضاع تسمح له بذلك–، ولعل إيهود باراك -رئيس الوزراء السابق للاحتلال- دون تخطيط منه كشف جانبًا من هذه الضغوط في مقال نشره مؤخرًا بمجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، حيث يضيف أبعادًا جديدة للصورة تجعلها أكثر وضوحًا، ففي إحدى فقرات المقال يبدو باراك كمن يعض أصابع الندم على فرصة يظن أنها تتفلت من يده بسبب نرجسية نتنياهو الذي لا يرى سوى مصالحه الشخصية، ويقول: وضعت إدارة بايدن أمام نتنياهو مقترحًا لنظام إقليمي جديد ما بعد الحرب، من شأنه القضاء على قدرة “حماس” على تهديد إسرائيل وحكم غزة، ووضع السيطرة على القطاع بين يدي سلطة فلسطينية “متجددة”، وتطبيع العلاقات مع السعودية، وتضمن هذه الرؤية في نهاية المطاف إسرائيل قوية وآمنة تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
انتهت كلمات باراك التي قد يرى البعض أن ما طرحه من تفاصيل معلن بالفعل، وإن يكن هذا صحيحًا لكنه كان مجرد تسريبات لم ترد على لسان مسؤول بحجم إيهود باراك الذي يبدو أنه على تماس مباشر بالمفاوضات الجارية، فضلًا عن إدراكه لخطورة الموقف ومدى انعكاسه على مستقبل الاحتلال، حيث يرى أن الكيان بدأ مرحلة زواله وفق هاجس وحاجز الثمانين عامًا الذي عبّر عنه مرارًا من قبل.
لعبة المساعدات والمشاركة في جريمة التجويع
وهكذا فإن بايدن الذي يروج بالكذب موافقة نتنياهو على الهدنة، فيما هو عاجز عن إقناعه بإدخال المساعدات، يريد أن يفرض إملاءاته على رجال المقاومة، ومن خلفه يلهث وزير خارجيته أنتوني بلينكن دون أن يخفي هويته الصهيونية حين يكشف عما يرمى إلى تحقيقه من توقيع الهدنة قائلًا (لدينا فرصة لحصول وقف فوري لإطلاق النار يمكّن الرهائن من العودة إلى ديارهم ولزيادة كبيرة في كمية المساعدات الإنسانية التي تصل إلى الفلسطينيين الذين هم بأمس الحاجة إليها)، ودون أن يدري قدّم بلينكن دليل الإدانة وعزز فرضية مشاركة الأمريكان –وأتباعهم– في حرب التجويع التي تمارسها عصابات الاحتلال ضد أهل غزة بهدف استخدامها كورقة ضغط بكل ما تحمله من قيم لا أخلاقية.
ومن ثم فإن المسرحية الهزلية التي تقوم بها الولايات المتحدة ومن يحذو حذوها بإلقاء المساعدات الغذائية على غزة جوًا بالإنزال من الطائرات تبدو مهينة ومقززة ولا تحترم عقولنا وليتهم يتوقفون عنها، خاصة وأنها بلا جدوى عمليًا لأسباب منها:
– أولًا مهما بلغت حمولة الطائرات فلن تصل إلى نسبة 10% مما تحمله الشاحنات في البر على قلتها وعدم كفايتها أصلًا.
– ثانيًا لأسباب غير مفهومة تسقط المؤن بعيدًا عن غزة، وقد شاهدنا كيف سقطت على بعد أميال في البحر لتكون طعامًا للأسماك، أو أن تقذفها الأمواج فتصل إلى شاطئ مستوطنة زكيم بعيدًا عن غزة.
– ثالثًا وهذا هو الأخطر، أن جيش الاحتلال استخدمها كفخ اصطاد به المتزاحمين كما جرى في مذبحة دوار النابلسي، التي راح ضحيتها 118 شهيدًا ومئات الجرحى من الذين راودهم حلم الحصول على قطعة خبز تسد جوعهم إلى حين.
هذه الحالة من التخبط التي تبدو عليها إدارة بايدن وفشلها الذريع في إدارة المشهد، وعجزها عن فتح المعابر، لم يستطع حتى توماس فريدمان –المعروف بميوله الصهيونية– أن يهضمها، فكتب يقول في “نيويورك تايمز” (أذهلني أن بايدن بدا وكأنه كاتب عمود أكثر من كونه رئيسًا وشخصًا لديه القدرة على تغيير الأشياء).
تسويق الأوهام
وسط هذه الأجواء لا تزال بعض وسائل الإعلام العربية (عبرية الهوى) تسوق لنا الأوهام بالحديث الفارغ عن جدية الإدارة الأمريكية الساعية لإقرار حل الدولتين رغم علمهم قطعًا بالموقف الواضح الذي أعلنه نتنياهو وأفراد عصابته (بن غفير وسموتريتش)، ورفضهم للمقترح بإصرار لا لبس فيه.
فيا عزيزي بايدن، لتبحث في “جرابك” عن لعبة جديدة فقد مللنا سخافتكم، وبدلًا من الحديث بلا فائدة عن حل الدولتين دعني أقترح عليك تبني فكرة “حل العودتين” -للحق ليست فكرتي لكنني أؤيدها-، فنفتح باب عودة المهجرين الفلسطينيين واللاجئين منذ 48 لأراضيهم، فيما يعود الصهاينة كل من حيث أتى إلى بلدانهم الأصلية في بولندا والنمسا وغيرها من الدول، هذه ربما تكون فرصتك الأخيرة ليذكرك التاريخ ويصفك بـ”المنقذ” الذي أسهم في نجاة الجيل الراهن من الصهاينة بحياتهم فلم يعد لهم مكان بيننا، لأن الأجيال الناشئة بعدما رأت المذابح بعينيها واستعادت الوعي لن ترحمهم وكل من عاونهم، ولا تشغل بالك بما بعد معركة الطوفان، وحين يقول “أبو حمزة” الناطق باسم سرايا القدس (اليوم التالي في قطاع غزة لا يحدده إلا المجاهدون ومن خاض معركة الشرف والكرامة) ينبغي عليك أن تنصت جيدًا، فهؤلاء رجال إذا قالوا فقد صدقوا، وأسأل مجربًا.
