“واشنطن تهبط من السماء”

جو بايدن حينما كان نائبا للرئيس الأمريكي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقر إقامة نتنياهو في القدس (رويترز)

بينما كان صيادو غزة يبحثون عن رزقهم في رمضان الماضي، وهم يلقون شباكهم لتعانق الأمواج والأعماق على شاطئ القطاع المحاصر منذ أعوام بحثًا عن طعام البحر بعد أن عز عليهم طعام البر، فإنهم باتوا الآن مع دخول شهر الصيام ينتظرون مع آخرين- في لهفة المضطر- أن يتساقط الرزق على الساحل من السماء بدلًا من أن يخرج من الماء فتتصلب أعناقهم وهي تتطلع لأعلى عندما يترقبون الطائرات التي تلقي إليهم ما تيسر من معونات تعطّف بها الأمريكيون رعاة الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم قلة المعونات الواردة بهذه الطريقة لم يحصل الجياع عليها كاملة حيث غرق منها جزء غير قليل في البحر بفعل انحراف المظلات التي يتم إسقاط المعونات بها، أو عدم دقة الطيارين الذين لا يبدو أنهم تدربوا أو قاموا بعملية مشابهة قبل ذلك.

وترصد التقارير الصحفية الواردة من غزة بالصور واللقطات الحية مشاهد بائسة ومهينة لا تنتمي لعالم يحترم الإنسان، وحقه في الحياة الكريمة والطعام النظيف، حيث يتجمع المئات وربما الآلاف في إحباط أو يتدافعون بيأس على رمال الشاطئ وصخوره في عدة مناطق شمال قطاع غزة وهم يتلمسون الأماكن التي ألقت طائرات عربية وأمريكية فيها قبل أيام أطنانًا من المساعدات، فربما تجود عليهم السماء بما منعته الأرض عنهم من مؤن تنقذهم وتنتشلهم من براثن المجاعة التي تضرب المناطق الشمالية في القطاع المنكوب.

الطعام والموت معًا

لا يأتي الطعام فقط من السماء فقد تأتي معه المنايا أيضا، فمنذ بدء عملية إسقاط المساعدات عبر الطائرات قبل أسابيع على أماكن متفرقة من قطاع غزة لقى عدد من الفلسطينيين حتفهم فيما أصيب آخرون، نتيجة لإلقاء المساعدات بشكل خاطئ على مناطق سكنية أو نتيجة لعدم فتح المظلات التي يتم بواسطتها إنزال صناديق المعونات على القطاع الذي يواجه شبح المجاعة خاصة في المناطق الشمالية بفعل الحصار، والعدوان الهمجي الذي تشنه قوات جيش الكيان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

وتبدو المعونات الهابطة من السماء كأنها قنابل أو صواريخ أو دانات مدافع عشوائية فقد كانت آخر هذه الحوادث هو استشهاد خمسة فلسطينيين وإصابة عشرة آخرين قبل أسبوع، ووفقا لهيئة الدفاع المدني في غزة فإن المساعدات “سقطت على رؤوس ومنازل المواطنين” من طائرات ألقتها فوق منطقة أبراج الفيروز شمال مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.

وبذلك تضاف المساعدات الغذائية أو الطبية إلى قائمة المتسببين في سقوط الضحايا من الشعب الفلسطيني، جنبا إلى جنب مع جيش الاحتلال الإسرائيلي والأسلحة الأمريكية والغربية برعاية صمت لا أخلاقي وتواطؤ فج من المجتمع الدولي.

بينما تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هي الممول الأول بالسلاح والمال للدولة الصهيونية، فإن قرار واشنطن بإسقاط مساعدات إنسانية جوًا على سكان غزة أمر مثير للسخرية، فمن المعتاد أن يتم إسقاط المساعدات بالطائرات في مناطق تتمتع بطبيعة جغرافية وعرة أو يستحيل الوصول إليها عبر الطرق البرية أو البحرية التقليدية وهو أمر لا يتوفر في غزة التي لها حدود مشتركة مع مصر ومع الدولة العبرية، ولها ساحل وميناء على البحر المتوسط، كما أنها مناطق منبسطة لا هضاب فيها أو جبال.

كما اعتادت الجيوش أن يتم إسقاط المساعدات في مناطق تسيطر عليها قوات معادية أو جماعات إرهابية أو ميليشيات مسلحة وليس في مناطق يسيطر عليها جيش يرتبط بتحالفات وعرى وثيقة مع القوات التي تتولى عملية إسقاط المساعدات.

اعتراف بالضعف

منسق المساعدات الإنسانية السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “ديف هاردن” وصَّف موقف بلاده لصحيفة “بوليتيكو” الأمريكية: “نبدو ضعفاء بنسبة 100٪ والمسؤلون في الإدارة الأميركية يقومون بإسقاط المساعدات فقط ليُشعروا أنفسهم بأنهم يؤدون عملًا جيدًا”.

ويُقدر المسؤول الأمريكي السابق أن “الإنزال الجوي أمر غبي وباهظ الثمن وغير فعال، إنه مسألة رمزية ويجعل الإدارة الأميركية تشعر بالرضا لأننا فعلنا شيئا ما”.

ويقر السيناتور الديموقراطي “كريس فان هولين” أن ما يمكن توفيره بالطائرات وحدها” قطرة في دلو لما هو مطلوب من أجل إبعاد خطر المجاعة الوشيكة التي تداهم سكان غزة”.

وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقرير صادم: “تلجأ بعض النساء الآن إلى آليات تكيف مؤلمة، مثل البحث عن الطعام تحت الأنقاض أو في صناديق القمامة”. وطالبت الهيئة التي تعمل من أجل المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة بوصول مساعدات إنسانية فورية إلى غزة، ووضع حد “للقتل والقصف وتدمير البنية التحتية الأساسية” محذرة أنه “ما لم يكن هناك وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية، فسوف يموت عدد أكبر من الأشخاص في الأيام والأسابيع المقبلة”.

ولطالما اقترح الديمقراطيون في الكونغرس أن يوقف بايدن مبيعات الأسلحة الجديدة لإسرائيل حتى يخفف “نتنياهو” الأزمة الإنسانية في غزة، لكن الولايات المتحدة تجري محادثات مع إسرائيل بشأن تسليم شحنة أسلحة جديدة، وتؤكد دوما أنها “ستواصل دعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.

وقد كشفت الصحافة الأمريكية مؤخرا عن تمرير صفقات وتعاقدات تصدير السلاح لإسرائيل دون مراجعة الكونغرس، وهذا يعني أن أمريكا مسئولة ومتهمة مثل إسرائيل وشريكة في كل الجرائم لأن السلاح الأمريكي يستخدم في قتل وإبادة الفلسطينيين، وتستطيع واشنطن بدلًا من إسقاط المساعدات وقف تصدير السلاح لإسرائيل والضغط على حكومة اليمين المتطرف التي تحكمها لوقف العدوان المستمر على أهل غزة منذ خمسة أشهر.

عمليات استعراضية

بالتأكيد فإن الجيش الأمريكي وأساطيله التي تجوب البحار يستطيع أن يفعل الكثير في مجال إغاثة سكان قطاع غزة وليس مجرد المشاركة في عمليات استعراضية محدودة ذرًا للرماد في العيون، وإبراء للذمم ولكي يجد الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ما يقوله عند تقديم إفادات للصحافة الأمريكية والعالمية التي تواجهه بحقيقة مأساوية الوضع في قطاع غزة.

وما تثيره الصحافة الأمريكية عن توتر العلاقات بين الرئيس “جون بايدن” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” هو أمر يحتاج لمراجعة قبل أن نصدقه تمامًا إذ يبدو أن “بايدن” و”نتنياهو” قد اتفقا على ألا يتفقا، على الأقل أمام الصحافة العالمية والمجتمع الدولي، فرغم هذا التوتر المزعوم فإن إسرائيل مستمرة في الحصول على مزيد من صفقات السلاح، كما أنها تتطاول بتصعيد وتيرة القتل والإبادة الجماعية عبر مجازر يتم معظمها على الهواء مباشرة أمام كاميرات القنوات التليفزيونية أو بواسطة هواتف البث المباشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتبدو الانتقادات وبعض التلاسن بين “بايدن” و”نتنياهو” مسرحية سخيفة فيها من الاستعراض أكثر مما فيها من الحقيقة ولا يمكن تصديقها، إذ يغلف الرئيس الأمريكي تناقض موقفه بتعليقات مفككة حيث يرفض “بايدن” إلقاء اللوم على إسرائيل في تعطيل إدخال المساعدات، بينما يعترف في الوقت نفسه بأنه يجب إدخال مزيد من مواد الإغاثة إلى قطاع غزة لأن المساعدات المتدفقة إلى غزة ليست كافية، ويرق قلب الرئيس العجوز فيقرر أن حياة الأبرياء وحياة الأطفال على المحك، وأن غزة يجب أن تستقبل مئات الشاحنات، وليس عدة شاحنات فقط، وذلك في تعليق له بعد سقوط  أكثر من مائة فلسطيني شهداء برصاص الاحتلال الاسرائيلي في أثناء تزاحم لتوزيع عدد من الشاحنات لمساعدات غذائية بشمال قطاع غزة، لكن “بايدن” رغم ذلك يعطي السلاح بسخاء للكيان الصهيوني.

الأقوال والأفعال

وتقول الصحافة الأمريكية أن قيام واشنطن بإسقاط المساعدات بالطائرات على قطاع غزة يعبر عن إحباط الولايات المتحدة من رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” وعن القيود التي تضعها حكومته على دخول المساعدات برًا لمناطق القطاع المدمر.

وفي الحقيقة فإن واشنطن لو أرادت إجبار دولة الاحتلال على السماح بإدخال المساعدات لفعلت، لكنها تكتفي بأن تمد يدًا واحدة بالطعام مقابل عشرات الأيدي بآلات القتل، وتفضل أن تعبر بالكلمات فقط عن القلق وربما التعاطف، في مقابل أفعال كثيرة تجعلها شريكة في وزر الدم الفلسطيني وأن تكتفي بإسقاط مساعدات من الجو حيث يقتل بعضها جائعين نجوا من قنابل الاحتلال ليرتقوا شهداء للمساعدات الأمريكية، أو أن يسقط بعضها في مياه بحر غزة لتغرق ومعها الإنسانية التي تكتفي بالمشاهدة والتململ بينما تنشب المجاعة أظفارها في البطون الخاوية لسكان غزة.

المصدر : الجزيرة مباشر