آيات الله في غزة

صلاة التراويح على أنقاض مسجد الهدى في رفح الذي دمرته الغارات الجوية الإسرائيلية في 11 مارس 2024 (غيتي)

 

(1) {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

في غزة الحياة والموت يتجاوران، والفلسطينيون شهداء عليهما حيث يعيشون تحت القصف المستمر ووسط الركام، لا يعرفون هل سيموت أحدهم صائما قبل آذان المغرب أم سيشهد مطلع فجر اليوم التالي، وهل هذه ساعاتهم الأخيرة أم ما زالت في العمر بقية.

هذا هو حال أهل غزة وهم يستقبلون رمضان هذا العام وسط الخراب والحصار والتجويع الممنهج، يتقبلون محنتهم بالصبر الجميل الذي تعجز الكلمات عن وصفه.

حين تتابع المقابلات مع أهل غزة على القنوات الفضائية العربية يذهلك ثباتهم وتماسكهم، يقصون تفصيلا عذاباتهم اليومية مع دفن موتاهم وعلاج جرحاهم ومرضاهم ورحلة الحصول على ما يسد جوع البطون الخاوية ونزوحهم المتتالي إلى مناطق يظنوها آمنة حيث يسكنون خياما لا تقيهم حر النهار ولا برد الليل.

ورغم ذلك ينهون حديثهم دوما بحمد الله، ينطبق عليهم قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. الفلسطينيون أصبحوا قدوة ملهمة لكل المجتمعات الإسلامية والعالم أجمع في الصبر والثبات وقوة التحمل وحمد الله على كل شيء، إنهم يقدمون لنا في رمضان درسا في اليقين بالله وتقواه.

(2) {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}

“إن الله معنا” عبارة يرددها الفلسطيني كل لحظة، الشك لا يتسرب إلى نفسه المطمئنة، لكنه ترك الشك والحيرة لملايين يتساءلون بينهم وبين أنفسهم: لماذا لا يتدخل الله ليرفع الأذى عن أهل غزة ويشلّ يد الجيش الإسرائيلي عنهم؟! لماذا ينتشر جنود الظلام في الأرض ويعلون علوا كبيرا وجنود الحق يقتلون ويطاردون؟! أين عدل الله ووعده بنصرة المظلوم؟!

أسئلة حائرة تجول في نفوس الذين يتابعون حرب الإبادة في غزة وسط صمت عالمي من دول العالم تخوفا من الرد الإسرائيلي المدعوم أمريكيا. في سورة الكهف إجابة عن أسئلة الشك التي راودت نبي الله موسى كما تراود أصحاب الفطرة السليمة الآن، حين سار بصحبة العبد الصالح الذي آتاه الله رحمة من عنده وعلما من لدنه.

قد تبدو الأمور أحيانا على غير ما هي عليه، فعقولنا المحدودة لا تستطيع أن تستوعب ما لا نعرفه من حكمة الله الخفية وتدبيره الكلي وسنته في الكون وفي خلائقه عبر الزمن، فالعبد الصالح يقوم بأفعال يستنكرها كليم الله موسى، فلقد خرق سفينة وقتل غلاما وأقام جدارا بغير أجر في قرية رفض أهلها أن يضيفوهما، في كل مرة لم يستطع نبي الله موسى أن يلوذ بالصمت أمام فعل يجده عقله بعيدا عن الصواب، وفي المرة الثالثة تأكد العبد الصالح أن فراقهما آن أوانه: {قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا}، فشرح له أسباب ما قام به.

كان الظاهر بعيدًا كل البعد عن الباطن، وما ظن موسى أنه خطأ وخطيئة وجريمة كان له هدف ومعنى آخر. ما يحدث في غزة الآن يبدو بعيدا عن عدالة السماء والإقرار بحق المظلوم، ويبدو -في الظاهر- تشجيعا للظالم وغلوّه، لكن الشك لا ينبغي أن يتسرب إلى نفوس المؤمنين بالله ولا بد أن يكون لديهم يقين بأن الله يمهل ولا يهمل وأن في قدره حكمة خفية لا تتمكن عقولنا القاصرة من سبر أغوارها {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}.

(3) {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}

ينظر العالم إلى المقاومة الفلسطينية على أنها الفئة المستضعفة أمام قوة جيش الاحتلال المدعوم من أمريكا أقوى دولة في العالم، ورغم ذلك لم يستطع هذا الجيش المتغطرس أن يحقق نصرا عسكريا حاسما على المقاومة أو يسترجع المحتجزين لدى فصائل المقاومة الفلسطينية رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على حرب الإبادة والتدمير التي يشنها على غزة. فصائل المقاومة لديها عقيدة ثابتة بأن الله معها، كما كان مع رسوله الكريم في غزوة بدر يوم السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة، حين انتصر المسلمون على المشركين رغم فارق العدد والعدة، فلقد قاتل ما يقرب من ثلاثمئة من المسلمين ما يزيد على ألف من المشركين، ولم يكن هناك تكافؤ بين الجيشين. وبحساب العقل والمنطق كان من المفترض أن تكون الهزيمة من نصيب رسول الله وصحبه وهم الفئة القليلة أمام الكثرة المستعدة للقتال المدججة بالسلاح، لكن جاءت النتيجة عكسية، وانتصرت عقيدة التوحيد التي لا تشرك بالله شيئا، وغيرت غزوة بدر الواقع في الجزيرة العربية، كما سيغير طوفان الأقصى الواقع في الشرق الأوسط {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

اللهم ثبت أهل فلسطين في رمضان واجعله شهر انتصارات لأمة الإسلام وصحوة للمسلمين.

المصدر : الجزيرة مباشر