الحرب على غزة إذ تؤكد عمق أزمتين!

مجلس الأمن الأمم المتحدة
مجلس الأمن (رويترز)

رغم دخول الحرب الإسرائيلية على غزة شهرها السادس، ما زالت الدول العربية والإسلامية والعالم أجمع أعجز ما يكونون عن خطوة جادة لوقف تلك الحرب الانتقامية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ويبدو كأن الحكومات قد استمرأت ما يحدث من فظائع ولا تبالي باستمرارها، وتتعاجز عن مواجهة الظلم والصلف الصهيوني -برعاية أمريكية غربية- والعصف بالنظام الدولي.

ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، نجد أننا أمام أزمتين عميقتين؛ الأولى أزمة وجود عربي، يصاحبها وهن إسلامي، والثانية أزمة نظام عالمي محكوم عليه بحتمية الانهيار، والأزمتان لا يمكن القول بأنهما من النتائج المباشرة لهذه الحرب؛ وذلك لأن وجودهما سابق وقوعها. فالحرب الإسرائيلية على غزة لم تكن مجرد كاشفة للأزمة العربية الإسلامية وأزمة النظام العالمي، ولكن جاءت مؤكدة لعمق الأزمتين.

أزمة عربية

لقد أظهرت الحرب على غزة عمق الأزمة العربية والوهن الإسلامي؛ والأزمة والوهن معني بهما على وجه التغليب النظم والحكومات، أما الشعوب فهي مقهورة، ويعتمل بداخلها غضب مكتوم، تتسع معه الهوة بينها وبين النظم التي خذلت تطلعاتها، وقد جاءت الحرب الأخيرة على غزة لتزيد الضغط وتعمق الهوة، بسبب التخاذل العربي في مواجهة الوحشية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وهذا واقع يستوجب الانتباه والحذر مما يتشكل في رحم الغيب المنظور.

لا شك أن الحرب على غزة هي حرب أمريكية قبل أن تكون حربا إسرائيلية، وقد ميزت هذه الحرب الصفوف في المنطقة، وفصلت بين الداعمين لفلسطين والمقاومة، وأولئك المنخرطين إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الصهيوني.

في ظل الحرب على غزة، تمايزت مواقف حلفاء واشنطن في المنطقة عن غيرهم، فأصبحوا في أزمة حقيقية أمام الشعوب لم تعد تسترها التصريحات الرسمية، كما لم يعد ممكنا التظاهر بالحياد في ظل معركة تقودها واشنطن بشكل واضح لا لبس فيه، وهذا ما يفسر المواقف الرخوة من دول المنطقة اتجاه ما يحدث من مجازر في غزة!

ولست أدري هل الحكومات العربية منتبهة لتغير تصورات الشعوب بشأن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وتحول مشاعر الجماهير نحو الفاعلين في دعم الحق الفلسطيني، الذين يريدون حقيقة تحرير فلسطين، أم أنها تتغافل عن ذلك؟

إن الشعوب العربية والإسلامية أصبحت أكثر وعيا بطبيعة الصراعات التي أوجدها الغرب في المنطقة، عبر سرديات أيديولوجية ومذهبية لخدمة أهدافه السياسية ومصالحه، ودفعت نظم حكم عربية إلى الارتماء في أحضان الاحتلال الإسرائيلي عبر بوابة التطبيع.

إن ثلاثة استطلاعات للرأي، منها ما كان قبل طوفان الأقصى، ومنها ما كان بعده، أجراها الباروميتر العربي، والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تؤكد جميعها تغيرا كبيرا في آراء الجماهير وسخطا اتجاه الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين، ومن ثَمّ الحلفاء العرب، وتُظهر تحولا إيجابيا لافتا اتجاه الداعمين لفلسطين والمقاومة في غزة، وهذا جرس إنذار للنظم، وموضوع يحتاج في تناول تفاصيله إلى مبحث منفرد.

أزمة وجودية ثلاثية الأبعاد

إن الأزمة التي يعيشها العالم العربي أزمة وجودية تتعلق بوجود الأمة العربية في حد ذاتها، وهي محددة لمستقبل الأمة ومصيرها.

والأزمة الوجودية العربية هي أزمة مركبة ثلاثية الأبعاد؛ البعد الأول لها يتعلق بوجود الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، الذي يمثل ذراعا للاستعمار الغربي لاستمرار إخضاع الأمة العربية والإسلامية للهيمنة الغربية، وبوجوده فإن المنطقة ستعيش دوما في حالة عدم استقرار، وستظل الأمة العربية والإسلامية تعاني حالة سحق دائم لإرادتها وهويتها مع استمرار احتلال القدس والمسجد الأقصى؛ ولذلك فإن تحرير فلسطين كاملة سيحرر الأمة العربية والإسلامية من ذلك الاستعمار الجاثم على صدرها، ويجعلها تمتلك إرادتها الحرة.

أما البعد الثاني للأزمة الوجودية العربية، فيتمثل في أزمة اقتصادية عاصفة في عموم الدول العربية -باستثناء الدول الغنية بالنفط، وإن لم تكن في مأمن من مواجهة ذلك مستقبلا- جعلت هذه الدول على حافة الانهيار الاقتصادي، وفي القلب منها أكبر دولة عربية على الإطلاق، وهي مصر التي تعاني من أزمة اقتصادية خطيرة، جعلتها تحت مقصلة ضغوط غير مسبوقة وصلت إلى حد المساومة في مسائل تتعلق بثوابت استراتيجية وتمس الأمن القومي، مقابل حل أزمتها الاقتصادية المزمنة.

وعلى وقع الأزمة الاقتصادية، فإن هناك تقارير أشارت إلى أن مصر تتعرض لضغوط من قبل داعمين إقليميين رئيسيين للقبول بنزوح الفلسطينيين ولو مؤقتا -رغم الرفض المصري المعلن والواضح حتى الآن- مقابل حوافز اقتصادية تتضمن سداد جزء كبير من الديون المصرية، وضخ استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، علمًا بأن هذه الاستثمارات الضخمة للدولتين العربيتين الشقيقتين في مصر مدفوعة بالأساس بمخاوف زعزعة الاستقرار في مصر، التي تعد الدولة العربية الكبرى، والتي يؤدي تزعزع استقرارها إلى زلزلة المنطقة بأكملها.

إضافة إلى ذلك، فقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية عرضا بإلغاء 160 مليار دولار من الديون المصرية مقابل استضافة 100 ألف لاجئ من غزة!

ويتعلق البعد الثالث للأزمة الوجودية العربية بأزمة الهوية، حيث تعيش الدول العربية حالة من التراجع في القيم والأخلاق، والانتزاع من هويتها الثقافية، ويحدث ذلك بيد النظم والنخب الحاكمة.

أزمة نظام عالمي حتمي الانهيار

لا شك أن قضية فلسطين هي قضية عالمية، وأصبحت تمثل رمزا لمعركة عالمية كبرى من أجل العدالة وحقوق المقهورين والمظلومين، وأصبحت غزة أيقونة للعالم الراغب في التحرر من هذا النظام الدولي، الذي أقل ما يوصف به أنه نظام عالمي ظالم متوحش في ظل القيادة الأمريكية والغربية.

لقد أكدت الحرب الإسرائيلية على غزة عمق أزمة النظام الدولي بقيادة أمريكا والغرب. ومنذ أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأوحد، يعيش النظام الدولي أزمة أخلاقية حادة؛ نتيجة الإطاحة بقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية لصالح منطق القوة والهيمنة، وشهد العالم صعودا غير مسبوق في وتيرة أعمال العنف، وأصبحت المنطقة العربية من بين أكثر المناطق توترا وعنفا، خاصة مع وجود إسرائيل في المنطقة.

الحرب على غزة أكدت حتمية انهيار النظام العالمي القائم، وأنه لا مناص منها، وذلك بسبب ضعف البنية الداخلية لهذا النظام الدولي المصبوغ بصبغة ليبرالية، وثبوت زيف دعاوى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسياسة الإكراه الأمريكية الغربية في العلاقات الدولية، كما أكدت ضرورة أن ينتفض العالم ضد هيمنة أمريكا والغرب، ورفض نظامهم الليبرالي، وقطع الطريق أمام استمراره بهذا الشكل؛ لأنه سبب الأزمات التي يعيشها المجتمع الدولي على كافة الأصعدة.

خاتمة

أزمتان عميقتان عربيا ودوليا، يحتاج الحديث عنهما إلى مزيد من التفصيل، وما تقدم هو مجرد محاولة للفت الانتباه إلى واقع مأزوم يعيشه العرب من ناحية، والمجتمع الدولي من ناحية أخرى. وما زال للحديث بقية.

المصدر : الجزيرة مباشر