أسبوعان على التعويم.. هل تحسنت الأوضاع في مصر؟!

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري (غيتي)

بشكل واضح ومباشر لم تتحسن الأوضاع العامة، هذه الأوضاع كانت سيئة عندما كان السعر الرسمي للدولار مقابل الجنيه 31 جنيهًا، فهل ستكون أفضل بعد أن صار الدولار حرًّا تتعامل معه البنوك وفق العرض والطلب، حيث ارتفع فور التعويم في 6 مارس الجاري إلى 49 جنيهًا، أي انخفضت قيمته بأكثر من الثلث مرة واحدة.

وهل بعد هذه الحلقة الجديدة من التعويم صار الدولار متوفرًا ويمكن لأي شخص أن يشتري ما يحتاج إليه منه من البنوك، أو شركات الصرافة؟ أبدًا، ليس مُتاحًا، أهلًا بك بائعًا له، لكن نافذة شرائه مغلقة.

البنك المركزي خفض الجنيه، ورفع الدولار، والأصل أن السياسة المالية والنقدية يجب أن تُقوّي العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وتجتهد في مسار التقوية حتى يتساوى الجنيه في قيمته الشرائية مع مختلف العملات.

لماذا لا يعود الجنيه يساوي دولارًا كما كان من قبل في ثمانينيات القرن الماضي؟ ولماذا لا يتفوق على الدولار كما كان في السبعينيات؟ كان الدولار الواحد يساوي 70 قرشًا وأقل، وهل يمكن أن يعود كما بدأ في أول تعامل له مع الأخضر زمن الملكية بأن يساوي خمس دولارات؟

انعكاسات السياسة الأحادية

رحلة الهبوط المتواصل للجنيه لا تريد أن تتوقف عند محطة نهائية، ثم ترتد عكسيًّا لتبدأ الصعود لتكتسب العملة المحلية مجددًا قوة وقيمة وسط مختلف العملات.

الجنيه المريض الذي لا يتعافى يعكس حالة الاقتصاد الضعيف، وهذا الاقتصاد الهشّ انعكاس للسياسة العامة الأحادية التي تحتكر الخطط والرؤى والأفكار، فلا آراء ولا أفكار أخرى تكشف الأخطاء وتقدم حلولًا بديلة، وعلاجات مختلفة، لا صوت إلا الصوت الواحد.

يستحيل أن يحتكر فرد واحد أو مجموعة أفراد الحقيقة المطلقة أو تكون لديهم وحدهم الحلول الناجعة أو في جعبتهم هم دون غيرهم الترياق الشافي من الأمراض والأزمات، هذا مضاد للمنطق والعقل والمسارات الصحيحة في الحكم والإدارة، ولو في البيت الواحد المحدود عددًا ومتطلبات.

خفض الجنيه لم يحلّ أيّ أزمة

منذ أن بدأت السلطة تخفيض قيمة الجنيه في 3 نوفمبر 2016، وحتى أحدث خفض في 6 مارس 2024، لم تحلّ أيّ أزمة، ولم يتعاف الاقتصاد، ولم تتحسن الأوضاع، ولم يتحقق الإصلاح، ولم تصبح المعيشة معقولة، بل تتفاقم الأزمات وتتعقد الحياة ويصير الغلاء كابوسًا يتضخم باستمرار ولا ينزاح عن الصدور.

خفض قيمة العملة أحد شروط صندوق النقد، ووصفة الصندوق لما يُسمى الإصلاح الاقتصادي في البلدان التي تذهب إليه للاستدانة لا تتغير وعلى رأسها تخفيض العملة وإلغاء الدعم وبيع الأصول وتشجيع القطاع الخاص، والمطلب الأخير لا خلاف عليه، وإنما التشجيع للقطاع الخاص الجاد المنتج الذي يعمل في قطاعات وأنشطة مفيدة للمجتمع والتصدير، أما ما دون ذلك فإن أضراره أكثر من منافعه ويصير عبئًا أكثر منه رافعة للدولة والمجتمع.

ديون جديدة

التخفيض الأحدث للجنيه كان أحد الشروط الأساسية للصندوق قبل موافقته على قرض جديد لمصر (صرف بقية قرض بقيمة 3 مليارات دولار، وإضافة 5 مليارات جديدة إليه)، ووافقت الحكومة على الشرط، وفي نفس يوم خفض الجنيه كانت الحكومة تُوقع اتفاق الاستدانة الجديد مع الصندوق لتقفز الديون الخارجية إلى 173 مليار دولار، ومع قروض متزامنة من جهات مانحة أخرى مجملها نحو 12 مليار دولار سيقفز رقم الدين الخارجي إلى 185 مليار دولار، وغالبًا نحن نسير في اتجاه تقفيل 200 مليار من الديون التي تُعد الأكبر منذ أزمة ديون الخديوي إسماعيل قبل 145 عاما.

كل هذا ونحن نتحدث عن الدولار الرسمي في البنوك، أما السوق السوداء فهى شأن آخر، سعر الدولار فيها تجاوز 70 جنيهًا في هبوط غير مسبوق، إذ لم يصل هذا السعر من قبل إلى أكثر من ضعف السعر الرسمي.

تراجع السعر في السوق الموازية تحت ضغط صفقة رأس الحكمة الغامضة التي ليس هناك تفاصيل بشأن بنود الاتفاق الخاص بها، وقد سرت حالة من التفاؤل الحذر بعد الصفقة وارتبكت هذه السوق، إذ إن الإعلان عن دخول الخزينة 24 مليار دولار نقدًا من الإمارات، و11 مليار وديعة لها في البنك المركزي تحصل عليها مصر، أصاب هذه السوق بالارتباك فأخذ الدولار يتراجع تدريجيًّا فيها، ولاحت فرصة للتهدئة ولو قليلًا في الأسعار، هذا إذا افترضنا حسن النية، ولم نقل إن السوق السوداء نفسها ليست “مُدارة”، أي ليس هناك من يتحكم في نشاطها وأسعارها صعودًا كما يشاؤون وفق أهداف خاصة، وأن تكون “مُدارة” هنا لا يعني أنها مدارة ببعض التجار والمضاربين، بل نستدعي شخصية “مشمش” التي ابتكرها الإعلامي عمرو أديب وجعل لكل قطاع نسخة من هذا الـ”مشمش” يتحكم فيه.

المسارعة بالتعويم.. لماذا؟

بعد صفقة رأس الحكمة لماذا لم تُؤجل الحكومة الاتفاق مع الصندوق لتأخير التعويم إذا كان حتميًّا للاستفادة من نتائج الضغط الذي تعرض له الدولار في السوق الحرة؟

كان بمقدورها، إذا تأنّت أشهرًا، أن تسحب دولارات السوق الموازية وتخفض سعره إلى أقل من 30 جنيهًا، وبالتالي عندما تحرر الجنيه لا تصعد به إلى 50 جنيهًا، بل تبقيه عند الثلاثين أو أقل، وانعكاسات ذلك ستكون ملموسة على الغلاء والمعيشة.

ولكن الحكومة لم تفعل ذلك، إما لأنها حكومة قاصرة التفكير، أو سيئة التقدير، أو متعجلة القرار، وإما لأن الصندوق يريد الخفض الجديد للجنيه دون نقاش، فاستجابت له، ولهذا لم يتحسن شيء، بل الأسعار ترتفع في قطاعات كثيرة بسبب أن الدولار الجمركي صار بخمسين جنيهًا بعد أن كان بثلاثين، والمحروقات تُباع للمصانع بسعر الدولار الجديد.

السياسة الحرة المنفتحة المتعددة الآراء هي الطريق الوحيد لأن يكون الاقتصاد مُخططًا آمنًا قويًّا قراراته صائبة، والعكس هو ما يحدث خلال هذه العشرية.

المصدر : الجزيرة مباشر