جدوى المنظمات الدولية ودراسة القانون في زمن الهيمنة

الأمم المتحدة
مبنى الأمم المتحدة (أرشيف)

أعتقد أن شرعية وجود المنظمات والمحاكم الدولية قد سقطت في فلسطين المحتلة، منذ ما يزيد على سبعة عقود، هي عمر الاحتلال هناك، كما أن دراسة مادة القانون الدولي -في حد ذاتها- بالجامعات والكليات المتخصصة، أصبحت بلا معنى، في ضوء ما يجري في قطاع غزة تحديداً، في الوقت نفسه أصبحت كل الاعتبارات الأخلاقية، والمواثيق الإنسانية، وما يتعلق منها بحقوق الطفل، والمرأة، والمسنين، والمرضى، والمعاقين، وحقوق الإنسان عموماً، جميعها في مهب الريح، في ظل ذلك الذي يجري على أرض الواقع، في العديد من البقاع، بدعم واضح من العواصم الكبرى دائمة التشدق بالحضارة والتقدم.

هذه هي الحقيقة التي يجب أن يتعامل معها دول العالم الثالث، بعلانية واضحة وشفافية مطلقة، دون مواربة من أي نوع، ذلك أن دول الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، لا تتورع عن الجهر بمواقفها في هذا الشأن، بدءاً من رصد موازنات طائلة لصناعة السلاح، وحتى استخدامه في إبادة شعب هنا، أو قهر آخر هناك، وهي المواقف التي تنسف جهود سنوات طويلة من المخاض الدولي، في صناعة عالم تسوده العدالة، بعد عصور طويلة من الصراعات، دون أي رادع من أي نوع، ودون أية قوانين، سوى لغة القوة، وعالم الاستبداد، وشريعة الغاب.

حق الفيتو

ربما كان ما يعرف باستخدام حق النقض (الڤيتو) للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى جانب تسليح جيش الكيان الصهيوني، وغض الطرف عن جرائمه بالمنطقة، هي أهم المبررات أمام دول العالم الثالث الآن، لاستخدامها كذريعة في سحب الاعتراف بالمنظمات الدولية العقيمة، والانسحاب من عضويتها على الفور، بعد أن ساهمت ممارساتها في نسف كل المقررات الدراسية وغير الدراسية، في جامعات العالم ككل، لما يسمى بالقانون الدولي العام، مادام بات حبراً على ورق على أرض الواقع، واستخدامه أيضاً كورقة ضغط في إحدى القضايا والتغاضي عنه في أخرى مشابهة، حسبما يتوافق مع أهواء ومصالح القوى المهيمنة عالمياً.

الأرقام تشير إلى أن ميزانية تغطية نفقات الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة على سبيل المثال هذا العام، بلغت 3،6 مليارات دولار، والأرقام تشير -على سبيل المثال أيضاً- إلى أن 60% من ميزانية جامعة الدول العربية تذهب للرواتب الشهرية للموظفين، والأرقام تشير كذلك إلى أن مساهمات عدد قليل من الدول في هذه وتلك هي الأكبر على الإطلاق، ومن ثم يمكنها التلويح بوقفها أو على الأقل تأخير سدادها، في حالة خروج القرار عن السيطرة، وقد حدثت بالفعل وقائع من هذا النوع، سواء في المنظمة الدولية أو المنظمة الإقليمية المشار إليهما.

يمكن القياس على ذلك فيما يتعلق بكل المنظمات الدولية والإقليمية في العالم، التي تخضع جميعها لضغوط اللوبي المهيمن أو المسيطر، وإلا لما فشلت محكمة العدل الدولية، في إصدار قرار ملزم للكيان الصهيوني بوقف القتال فوراً وتوقيع عقوبات عليه، كما حدث في حالة ميانمار، بعد أن أهدرت حقوق الإنسان هناك، وإلا لأصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم، والاتحادات الرياضية الدولية عموما قراراً بوقف مشاركة الكيان في أي نشاط رياضي دولي، كما حدث في حالة روسيا في حربها على أوكرانيا، وإلا لما فشل مجلس الأمن الدولي، ثلاث مرات على التوالي، في إصدار قرار بالوقف الفوري للعدوان على غزة، وتوقيع عقوبات على نظام الاحتلال، وإلا لسارعت جامعة الدول العربية بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، في مواجهة ذلك العدوان.

على الورق

وإذا توقفنا أمام الاتفاقية العربية الموقعة في هذا الصدد بالقاهرة عام 1950، فسوف نجد أنها كانت تضم 7 دول عربية فقط، (مصر والأردن وسوريا والعراق والسعودية ولبنان واليمن) ثم انضمت إليها بقية الدول تباعاً، وتنص على أنه (يعتبر أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول، عدواناً على باقي الدول، وأي مساس بدولة منها يعتبر مساساً صريحاً بباقي الدول الموقعة، كما أن كل اعتداء مسلح يقع على أي دولة أو أكثر أو على قواتها، اعتداء عليها جميعاً، وفي عام 2015 قرر مجلس جامعة الدول العربية الموافقة على الفكرة التي طرحها الرئيس المصري، بإنشاء قوة عربية مشتركة، هدفها حفظ وصيانة الأمن القومي العربي.

أصبحنا بالفعل أمام منظمات دولية وإقليمية لا حاجة لوجودها، وأمام قوانين ومواثيق هي والعدم سواء، الأدهى من ذلك حينما تصبح دراسة القانون الدولي أيضاً بلا معنى، ما دامت في طي النسيان، وهو الأمر الذي يجعل من دراسة هذه القوانين، بمثابة تحصيل حاصل، قد لا يعيرها الطلاب اهتماماً، أو ينفرون بمرور الوقت من دراستها، بسبب ممارسات الأنظمة السياسية، التي أساءت لتاريخ طويل من النضال والجهد، من أجل الوصول (على الورق) إلى هذه الحالة من الانضباط الإنساني والحقوقي، وتم إقراراها أيضاً بعد جهد وعناء كبيرين.

أعتقد أنه قد آن الأوان للخلاص من زمن الهيمنة والاستكبار، وسطوة الكبار، سواء فيما يتعلق بذلك “الڤيتو” سئ السمعة، في مجلس الأمن الدولي، أو ما يتعلق بسياسة الكيل بمكيالين في الأروقة الدولية بشكل عام، بدءًا من محكمة العدل الدولية، والجنائية الدولية، وحتى الاتحادات الرياضية والفنية والثقافية، وغير ذلك من الكيانات الاقتصادية والتجارية والمالية، وإلا فإن البديل الطبيعي هو المسارعة بإعادة النظر في جدوى هذه الكيانات، وجدوى العضوية بها، وهو الأمر الذي لا يحتاج أكثر من إرادة جماعية من عدد من الدول التي تنشد الكرامة لشعوبها، والحرية للأجيال المقبلة.

المصدر : الجزيرة مباشر