رمضان في زمن الوهن الإسلامي!

مسلمو سيدني يقيمون صلاة التراويح من أجل فلسطين (غيتي)

منذ عقود يستقبل المسلمون كل عام شهر رمضان المبارك، في ظل وهن إسلامي يلازمه عجز عربي، حيث تتقلب الأمة الإسلامية -خاصة في المنطقة العربية- من وهن إلى وهن، وقد تملك الأعداء زمام أمرها، وصارت أكثر اضطرابا، وأصبحت أرضها مسرحا لحروب ونزاعات، وملعبا لمواجهات المصالح والهيمنة، وحلبة لتصفية الحسابات بين القوى العالمية.

أتى شهر رمضان هذا العام الهجري 1445، الموافق للعام الميلادي 2024، وفي غزة هاشم “قطاع غزة” يتعرض الفلسطينيون لحرب إبادة مستمرة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تهزّ العالم حتى الآن، ولم ينتفض لأجلها ذوو القربى من العرب والمسلمين!

لقد أصبح شهر رمضان شاهدا على زمن الوهن الإسلامي المعاصر، ذلك الوهن الذي تتجلى أوضح صوره في الهجمة الصهيونية الاستعمارية على المنطقة العربية، وحرب إبادة بنكهة دينية، ينفذها تحالف إسرائيلي أمريكي غربي صليبي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، في الوقت الذي تقف فيه الحكومات الإسلامية والعربية، ومليار وثمانمئة ألف مسلم، والعالم أجمع موقف المتفرج، في مواجهة عمليات الذبح والإبادة لنحو 2.3 مليون شخص في غزة، منهم 1.06 مليون طفل دون سن الثامنة عشرة، وحال هؤلاء جميعا يدور بين: متآمر مع العدو، أو ساكتٍ راضٍ بما يحدث، أو عاجز عن فعل شيء سوى الشجب والاستنكار.

على مدار تاريخ الأمة الإسلامية، كانت الأمة تنتقل خلال شهر رمضان من حال إلى ما هو أحسن منه، فتتحول من الذلة إلى العزة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهزيمة إلى الانتصار.

شهر رمضان رمز للجهاد، الذي يعني بذل الوسع والطاقة في سبيل الله، سواء الجهاد في معناه العام، أو معناه الخاص الذي يعني القتال في سبيل الله.

وطوال تاريخ هذه الأمة كان شهر رمضان يمثل انتفاضة على كل عوامل الوهن وأسبابه، وشهد الشهر كثيرا من الأحداث والفتوحات، وكان محطة لانطلاق المسلمين لتغيير وجه التاريخ، بدءا من غزوة بدر الكبرى، التي كانت فرقانا بين الحق والباطل، إلى فتح مكة الذي زالت به غربة الإسلام الأولى، مرورا بفتح المسلمين في الأندلس، وفتح عمورية، ومعارك المجد الخالدة؛ من بلاط الشهداء وحطين وعين جالوت، وانتهاءً بحرب العاشر من رمضان أكتوبر/تشرين الأول، عام 1973.

 أسباب الوهن الإسلامي

وكما يصيب الوهن الجسم الصحيح، فإنه أيضا يصيب الأمم، وكذلك الوهن الإسلامي. إن الوهن يصيب الجسد عندما تغيب الوقاية وتهاجمه العلل والأمراض، وكذلك الوهن يصيب جسد الأمة الإسلامية عندما تجهل أمر ربها، وتحيد عنه، ولا تأخذ بالأسباب المأمورة بها.

يجتهد أرباب الفكر والقلم في تفسير ما آل إليه حال المسلمين في هذا الزمن من ضعف ووهن وتسليط لعدوهم عليهم، ويصول كثيرون ويجولون، ولكنهم لا يضعون أيديهم على السبب الأول والعامل الوحيد، الذي تفرعت عنه كافة الأسباب، التي قادت إلى ما حل بالمسلمين.

ومرجع وهن الأمة وضعفها إنما هو في الجهل بالله وبدينه وبالعواقب؛ فإنه لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه.

ولقد نشأت عن هذا الجهل كافة الأسباب التي أدت إلى وهن المسلمين، فكان منها: حب الدنيا وكراهية الموت، وإضاعة الصلوات واتباع الشهوات، والركون إلى الأعداء، وحب الاسترخاء والراحة، وترك الأخذ بالأسباب، والفرقة والاختلاف.

ومن ينظر إلى واقع الأمة الإسلامية ومركز القلب فيها في المنطقة العربية، وحالها في رمضان شهر الجهاد والتغيير واستثارة الهمم، يرى أن بلاد المسلمين في هذا العصر -وإن كان بعضها ما زال يقاوم- تنجرف في مجرى سيل العولمة الهادر بغثها وقذرها إلى هوة لا قرار لها، تجمع الانحلال والإباحية والإلحاد، وتلك أمراض تفتك بالأمم وتقضي عليها.

ومن عجب أن أعداء الأمة الإسلامية صاروا أخبر بمواطن دائها من المسلمين أنفسهم، وعمدوا إلى تكريس الوهن في واقع المسلمين، فعملوا على تعزيز العوامل المؤججة داء الوهن بيد نفر من المسلمين أنفسهم؛ ليتمكنوا من إخضاع الأمة والإمساك بزمام أمرها.

ومن ينظر إلى أحوال المسلمين المعاصرين في رمضان، في ظل الأحداث الأخيرة التي تموج بها الساحة العربية والإسلامية، وما يحدث من مجازر وحصار وتجويع لأهل غزة والمسلمون ونخبهم هائمون في متاهات الدنيا ومزالقها، يرى أن شيطان الإنس فاق شياطين الجن المصفدة في رمضان، فقام يستفزّ من المسلمين ما استطاع منهم بصوته، ويجلب عليهم بخيله ورجلِه، ويشاركهم في الأموال والأولاد، ويعِدهم، وما يعدُهُم الشيطان إلا غرورا.

داء الأمة ودواؤها

تؤكد الأحداث أن الأمة الإسلامية تعاني مرحلة متقدمة من الوهن، وتشعر نخبتها وعامتها إلا من رحم الله، بالضعف والانهزامية أمام الآخر، إذ تبع المسلمون عدوهم، وأصبحت الدنيا أحبّ لهم، فتركوا الجهاد في سبيل الله، وكرهوا الموت، فطمعت فيهم الأمم واتحدت عليهم، وأصبحوا يسهلون على عدوهم، الذي يتداعى عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتها، وليس ذلك من قلة عدد -فالعدد كثير، ولكن لا فائدة فيه ولا نفع- ولكن لشدة تفرق المسلمين، وقلة شجاعتهم، فأصبحوا كغثاء السيل، وهو ما يطفو على سطح ماء السيل من الزبد والأوساخ.

وفي الحديث النبوي الشريف يلخص لنا النبي الكريم واقع الأمة في زمن الوهن، ويبين لنا داء الأمة ودواءها، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ”.

خاتمة

إن الوهن الإسلامي عَرضٌ سيزول بالقضاء على أسبابه، وحسبنا أن ما أصاب الأمة من وهن ليس بالقدر الذي يوصف بأنه لا فكاك منه، ولكنه عرض طارئ قد يطول وقته، ولكنه في كل الأحوال سيزول.

إن دورة التاريخ تخبرنا أن الأمة الإسلامية مهما أصابها من أمراض، وألم بها من وهن، فإنها تبرأ وتعود قوية كما يجب، وسيأتي رمضان قادم وقد برئت الأمة من الوهن وسائر أدوائها.

أسألوا التاريخ عن مآل الصليبيين ومصير التتار، الذين تمكنوا في فترات ضعف الأمة الإسلامية، وظنوا أن المسلمين لا عودة لهم.

لقد استمر احتلال الصليبيين للقدس زهاء 88 عاما، ولكنهم خرجوا يجرون أذيال الخيبة، بعد أن هيأ الله للأمة قادة من أصناف الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واندحر التتار بعد أن اجتاحوا العالم، ودخلوا في الإسلام أفواجا.

إن صمود أهل غزة في مواجهة التحالف الصهيوأمريكي بشارة لنصر قادم مؤكد، وإن ملحمة جهاد المحتل في غزة في شهر رمضان هي ذلك الترياق لجسد الأمة من سموم الوهن. إن زمن الوهن إلى زوال، وذلك ليس من باب التمني، ولكن ثقة في وعد رب العالمين، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

المصدر : الجزيرة مباشر