طوفان “التعويم” يحاصر المصريين

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري (غيتي)

 

لم تمهل الحكومة المصريين إلا أياما معدودات قبل أن يغرقهم طوفان قرارها بالتعويم، وبعد أن كان البعض يمني نفسه بأنهار العسل على إثر صفقة رأس الحكمة، خاصة بعد وصفها بأنها “ضربة المعلم” التي ستقضي نهائيا على أزمة الدولار، بل وزاد الحديث عن تكرار التجربة بطرح مواقع مماثلة لدول ومستثمرين آخرين.

والمدهش أن الحكومة تبدو كمن عثر على كنز أسهم في نيلها ثقة المقرضين الدوليين عبر بيعها أصولا لم يكن أحد في الأنظمة السالفة يفكر -مجرد التفكير- في الاقتراب منها كونها تمثل خطا أحمر وأمنا قوميا، لكن عدم استغلال الجزء الأعظم من مساحة البلاد البالغ مليون كيلومتر مربع، شكّل عامل إغراء وجعل أطرافا عديدة يسيل لعابهم عليها بدعوى الاستثمار.

في الوقت ذاته، أعاد النهج الحكومي الجديد إلى الأذهان ما جرى في بداية عصر الانفتاح عام 1974 (وصفه الكاتب الراحل الكبير أحمد بهاء الدين بالانفتاح السداح مداح)، حينما فتح النظام الباب للاستثمارات الأجنبية، وأقر عشرات القوانين لتسهيل استحواذ رأس المال الأجنبي على قطاعات عديدة، منها المصارف وشركات التأمين والصناعة (القطن والحديد والصلب) والمعادن، وزعم السادات -رحمه الله- آنذاك أن هذا “الاندماج في الاقتصاد العالمي” سوف يجلب الرخاء للشعب المصري، لكن على أرض الواقع حدث العكس، وحسب البيانات الرسمية تدهورت أحوال المواطنين، وبنهاية عام 1976 بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر 44%، ووقع المجتمع فريسة للقطط السمان الذين استشرى خطرهم، ومع الوقت تعاظم  نفوذهم وسطوتهم بالتزاوج الذي حدث في عهد مبارك بين المال والسلطة فتحولوا إلى ديناصورات تبتلع وتدوس كل من تسول له نفسه مواجهتها أو يعترض طريقها نحو أهدافها ورغباتها.

في ظل هذه الذكريات ورواسب الماضي القريب والبعيد، لم يكن المواطن البسيط على نفس درجة ثقة الأجهزة الرسمية ومن يدور في فلكها عن وعود الرخاء، ومن ثم لم يشارك السلطة فرحتها الهستيرية بالصفقة، وإن توقع البعض أن ترفع الضغط -ولو قليلا- عن كاهله، لكن التعويم جاء في أعقابها ليزيد من معاناة الجميع خاصة أبناء الطبقات الكادحة، ورغم مبادرة الحكومة بإصدار حزمة من القرارات لتخفيف آثار التعويم فإنها كانت كنقطة في بحر لا تسمن ولا تغني من جوع، فانهيار العملة وارتفاع أسعار كل السلع والخدمات (البداية كانت بارتفاع أسعار البنزين والسولار) عصف بكل خطط الأسر في تدبير وتصريف شؤونها الحياتية وتلبية احتياجاتها الأساسية من أكل وشرب ودواء ونفقات ضرورية.

صحيح أن التعويم ضرب السوق السوداء للدولار ونجح في كبح جماحه وهبط به ليدور حول الخمسين جنيها للدولار بعد أن بلغ حدودا غير مسبوقة وتجاوز حاجز السبعين جنيها، لكن خبراء ومختصين (بينهم الدكتور إبراهيم نوير والدكتور حسن الصادي وغيرهما) يحذرون من معاودة ارتفاعه مرة أخرى إذا لم ينجح البنك المركزي في توفير العملة الصعبة التي يحتاج إليها السوق لاستيراد السلع، وهو ما لاحت مؤشراته مبكرا بإتاحة ملياري دولار فقط في حين تنتظر البضائع في الموانئ سبعة مليارات للإفراج عنها، ويخشى المستوردون من أن التباطؤ في توفير الدولار سوف يعيد الأزمة مرة أخرى.

قصة مصر مع الصندوق

القرارات الأخيرة جاءت استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي -وإن شئت الدقة قل شروطه- للموافقة على قرض جديد، وقصة مصر مع الصندوق مغموسة بدموع الكادحين والفقراء وحتى الطبقات المتوسطة والمستورة التي طالتها الأزمات وقذفتها نحو مستويات اجتماعية أدنى، وطوال العقود الماضية كانت السلطة في مصر وإدارة الصندوق يلعبان لعبة (القط والفأر)، ورغم المراوغات ومحاولة الإفلات من الشباك فإن مخطط الصندوق يتسم بالنفس الطويل، وفي نهاية المطاف غالبا ما ينجح في تحقيق مآربه الخبيثة وأهدافه غير الطيبة، والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها أنه لا لوم على الصندوق، فسمعته بلغت الآفاق ولم يدخل بلدا إلا زاد أزمته وأسهم أكثر في إغراقه، ومنهجه ثابت في تخريب وتدمير بنية الاقتصاد الوطني، ودوره المشبوه موثق في أكثر من بلد، بل وكثيرا ما كانت نصائحه سببا في تفاقم المشكلات، وأدت إلى تهديد استقرار المجتمعات وأمنها وسلامتها.

انضمت مصر إلى عضوية صندوق النقد في ديسمبر/كانون الأول 1945، حيث منحها قرضا لأول مرة في عام 1978/1977 بقيمة 186 مليون دولار، لكن هذا القرض لم يكن أول مشوار تسلكه أرض الكنانة في طريقها نحو المؤسسات الدولية، فقد سبقت بالتعامل مع البنك الدولي (الذراع الثانية للقوى الاستعمارية)، وقد درج البنك على نشر جداول مجمعة عن الديون الخارجية للدول “النامية”، وكان حجم ديون مصر وفقا للوثائق الرسمية للبنك في نهاية عام 1972 تُقدَّر بـ2040.9 مليون دولار (816.4 مليون جنيه)، وواصلت القفز حتى نهاية 1975 حيث بلغت 5686.9 مليون دولار (2274.8 مليون جنيه)، (من قراءة الأرقام يمكن ملاحظة أن قيمة الجنيه كانت أكبر من الدولار)، وقد يرى البعض أن حجم المديونية لم يكن كبيرا آنذاك، لكن مقارنته بالناتج المحلي الإجمالي عام 1976 الذي كان 5787 مليون جنيه (وفقا لأرقام وزارة التخطيط) تكشف فداحة الأمر، إذ إن نسبة الدين الخارجي المستخدم إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 83%.

 النموذج الماليزي

سئل مهاتير محمد صانع المعجزة الماليزية وقائد نهضتها عن سر نجاحه، فأجاب “كنت أستمع لنصائح وتوصيات البنك والصندوق الدوليين وأعمل عكسها”، هذه الكلمات على بساطتها تحمل الكثير من الدلالات، وتوضح حجم الكارثة التي ابتليت بها مصر منذ بدأت مسيرتها في التعامل مع البنك والصندوق، وهو الأمر الذي كبل قرارها ورهن إرادتها بعد تعمُّد إغراقها بالديون. رؤية مهاتير لم تكن وحيا من السماء، وفي مصر لم تتأخر القوى الوطنية في التعبير عن مخاوفها من خطورة رهن السياسات الاقتصادية المصرية بـ”روشتة” الصندوق، ولعل المرجع المهم (الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية) لمؤلفه الكاتب والمفكر الراحل عادل حسين يُعَد واحدا من أهم وأبرز هذه الأطروحات التي حذرت مبكرا من حقيقة دور الصندوق والبنك كذراعين للقوى الاستعمارية، إذ يقول نصا “نظرا لوزن التحدي الصهيوني في تحديد السياسات المصرية، ولأهمية الدور المصري في الاستراتيجية العربية، يصبح مضمون ما تحقق داخل مصر أكبر جدّا من مجرد انتكاس في التطور الاقتصادي لقطر من الأقطار. إن حجم ونوع المصيبة يتحدد بأثر هذه الانتكاسة على الدور المصري في النهضة العربية، وكذلك بأثر هذه التطورات على المستقبل الصهيوني، وعلى استمرار وإحكام الهيمنة الغربية الأمريكية حضاريا وسياسيا واقتصاديا على هذه المنطقة المهمة من العالم. ومن المفارقات التاريخية أن هذا الحجم الهائل للمصيبة تحقق بعد أول حرب تحريرية ناجحة ضد إسرائيل وقوى السيطرة الدولية التي ساندتها).

لكن هذه الرؤية الواضحة منذ أربعة عقود لم تجد من ينصت إليها، فزامر الحي لا يُطرب!

المصدر : الجزيرة مباشر