“إسرائيل”.. الديمقراطية الناقصة!

طلاب يحملون صورًا لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وهي تصافح نظيرها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويدان حمراوتان مرسومتان على وجهيهما، خلال احتجاج ضد الحكومة الإيطالية في تورينو (الفرنسية)

 

نجحت إسرائيل الدولة، التي نشأت بتواطؤ غربي لا لبس فيه عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية، في تسويق نفسها طوال عقود أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنها تحمل وتبشر بقيم الليبرالية الغربية وتدافع عنها وحدها وسط بحر متلاطم من اتجاهات رجعية وأصولية غارقة في مستنقع من القمع وخنق الحرية الفردية والجماعية.

ويرسم الإعلام والسياسيون الغربيون في الفضاء الدولي العام صورة ذهنية لإسرائيل بأنها واحة الديمقراطية والحارس الأمين عليها في الشرق الأوسط، وأنها نقطة ضوء وسط ظلام الجهل والتخلف والديكتاتوريات التي تسود أنظمة الحكم في العالم الثالث.

وما زالت الدولة العبرية قادرة على أن تستغل بنجاح آثار المحرقة التي ارتكبها نظام “هتلر” ضد اليهود والأقليات في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لتقوم بابتزاز دول الغرب حكومات وشعوبًا منذ عقود، والنتيجة المباشرة لهذا النجاح التسويقي أن أي تصرّف تجاه الكيان الصهيوني يظل دومًا محمّلًا ومحكومًا بعقدة الذنب تجاه الشعب اليهودي، ويكون من الطبيعي اضطرار الغرب أن يدفع دائمًا -حتى الآن- ثمن جريمة ارتكبها النظام النازي في ألمانيا الهتلرية، سواء كانت هذه الجريمة كبيرة في عدد ضحاياها (6 ملايين كما يزعم اليهود) أو محدودة (عشرات الآلاف فقط كما يشكك البعض).

الانتخابات هنا وهناك

وتجري انتخابات مختلفة في الكيان الصهيوني عما هو مألوف وسائد في عموم الدول التي تشكل محيط إسرائيل الأقرب والأبعد في المنطقة، فبينما يشهد الشرق الأوسط أنظمة جامدة تمتد فترات حكمها لعقود أو يتم تداول السلطة فيها باستعراض ومظهرية تحتفظ بالشكل فقط دون مضمون التعددية الحقيقية، فإن الدولة التي ما زالت تحتل الأراضي الفلسطينية تشهد تداولًا حقيقيًّا للسلطة حيث تنتقل أحزاب وتكتلات وتحالفات من صفوف المعارضة إلى مقرات الحكم، ويحدث عكس ذلك من انتقال الحكام إلى صفوف المعارضة في انتخابات يمكن وصفها بالحرة والنزيهة، وأنها لا تشهد الخروق المعتادة في “العالم الثالث” من التضييق والمنع وربما الحبس لمرشحين معارضين أو غير مرغوبين من النظام إلى استبدال أوراق التصويت أو صناديق الاقتراع بأخرى معدَّة سلفًا أو تغيير أرقام ونتائج الفرز لصالح مرشحين تريدهم السلطة أو من أجل مرشح في السلطة.

وتتمتع الصحافة الإسرائيلية بقدر كبير من الحرية، لكنها حرية غير مطلقة، إذ إنها مشروطة بالبقاء أسيرة ثوابت لا يمكن الفكاك منها، أهمها قيود عدم إنكار المحرقة (الهولوكوست)، وعدم التعاطف مع حركات المقاومة الفلسطينية، وعدم إنكار “الحق التاريخي” لليهود في أرض فلسطين.

وفي الممارسات اليومية للقائمين بالاتصال في الإعلام الإسرائيلي لن تجد أي مسؤول بمنأى عن سهام النقد سواء اتخذ النقد شكلًا جديًّا صارمًا في العبارات والصيغ أو وصل إلى حد السخرية وربما الاستهزاء، حيث تُستخدم اللغة الحادة والعبارات القوية المباشرة بينما تغيب الاحتفالات المبالغ فيها بالإنجازات الحكومية وتتخذ ما تستحقه من حيز محدود بالنسبة لعموم المواطنين.

لكن الديمقراطية في المنظور الغربي الذي ابتدعها ليست فقط تداول السلطة ونزاهة الانتخابات والحفاظ على صناديق الاقتراع من العبث، وجمع أصوات المرشحين بطريقة صحيحة تحترم قواعد علم الحساب أو الهوامش المتاحة لحرية الصحافة، وقدرتها على الوصول إلى المعلومات ونشر ما تحصل عليه وما تستنتجه، وإنما هي قبل ذلك وبعده نسق متكامل ومتجانس من ممارسات لا تتناقض مع بعضها ولا تتصارع ولا تنسف منظومة القيم الحاكمة والرئيسة إذا تعرضت ذات موقف لمواطن مختلفة في العرق أو الدين أو اللون أو النوع.

ولا يكفي أن تصل إلى السلطة عبر صناديق الانتخابات بل المهم أن تحترم قواعد الديمقراطية التي تفرض أن يكون جميع المواطنين في حالة تساوٍ أمام ميزان العدالة، بلا تفرقة يفرضها العرق أو الدين أو النوع أو اللون.

وإذا كان احترام القانون وتساوي المواطنين -على تنوعهم- في الحقوق والواجبات هو ركيزة أساسية في الأدبيات الغربية، فإن إسرائيل من خلال ممارسات النشأة الأولى وما صاحبها من مشاهد تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم وطردهم من منازلهم وأراضيهم ثم في أثناء سنوات التكوين وتثبيت أركان الدولة وما رافق ذلك من صراع دامٍ مع محيطها العربي، جعل احترام القانون الدولي ليس أمرًا مهمًّا في الثقافة السائدة لدي النخب الإسرائيلية الجالسة في مقاعد الحكم أو تلك المتأهبة في دروب المعارضة.

وقد أصبح التسابق على انتهاك مواد القانون الدولي والقفز على قرارات الشرعية الدولية ممثلة في الأمم المتحدة والمنظمات الدائرة في فلك المجتمع الدولي مقياسًا للالتزام الوطني من منظور الطبقة الحاكمة في إسرائيل.

البون الشاسع

ولأن إسرائيل لا ترغب في أن تظهر أمام مواطنيها دولة لا تحترم القانون السائد فيها، فقد عمدت إلى وضع مواد التمييز بين مواطنيها العرب واليهود في قوانين تم إقرار موادها على مدى سنوات في شتى المناحي، ليكون التمييز قانونًا لا يمكن تجاهله على منصات القضاء.

والقوانين الإسرائيلية فريدة في مقاصدها، إذ تختلف عن أي دولة في العالم من حيث اعتماد التمييز أداة قانونية للفصل بين المواطنين بحيث تصبح الديمقراطية في إسرائيل قاصرة على بني اليهود فقط بينما يُحرم منها بنو العرب.

ويدرك الباحثون في القانون ذلك البون الشاسع بين الديمقراطية الغربية كما دشنها مفكرو أوروبا، وتلك الممارسات التي تجري باسمها في أرض فلسطين التاريخية من الأنظمة الصهيونية المتعاقبة في إسرائيل حيث يُعَد العربي مواطنًا من درجة أدنى لا حق له في لم شمل عائلته أو الانتقال إلى أي مكان يريده أو بناء مسكن يؤويه أو يجدد مسكنه القديم أو يعبّر عن مظالم متراكمة في الوسط العربي.

ومن المؤسف أن الغرب لم ينتبه إلى الهوة بين نموذجه والديمقراطية المزعومة في إسرائيل طوال نحو ثمانية عقود منذ نشأة الدولة العبرية، غير أنه خلال عام 2023 حدث تحولان في أول العام وآخره كانا كفيلين بلفت الأنظار إلى أن النموذج الإسرائيلي يبتعد كثيرًا عن الأصل الغربي.

الحدث الأول هو محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقويض النظام القضائي والحد من صلاحيات المحكمة العليا والتدخل في تعيين قضاتها للخروج من دائرة اتهامات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، وهي القضية الجدلية التي دعت الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى التعليق عليها مطالبًا الحكومة الإسرائيلية بعدم التسرع في إقرار التغييرات.

أما الحدث الثاني فهو ذلك العدوان الإسرائيلي البربري الوحشي على سكان قطاع غزة على خلفية هجوم المقاومة الفلسطينية على السياج الحدودي ومستوطنات غلاف غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد سنوات من حصار القطاع.

كانت حصيلة العدوان موجعة والخسائر فادحة، وكأن العالم لم يكن ليكتشف حقيقة إسرائيل دون أن ينتظر أكثر من 100 ألف شهيد وجريح، ودون أن يشاهد مباشرة ضلوع جيش الاحتلال الإسرائيلي في إعدامات لمدنيين فلسطينيين خارج القانون، وهدم وتدمير معظم مبان ومنشآت قطاع غزة واقتحام المستشفيات، وتشريد معظم سكان القطاع.

دفع الفلسطينيون ثمنًا غزيرًا من الدم والموت حتى يقتنع “العالم الديمقراطي” بأن إسرائيل دولة عديمة الديمقراطية أو على أقل تقدير دولة الديمقراطية الناقصة.

المصدر : الجزيرة مباشر