لماذا تراجع الاهتمام بالانتخابات البلدية التركية؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في واحد من المؤتمرات الانتخابية البلدية تضامناً مع مرشحي حزبه للولايات (الأناضول)

على الرغم من الصخب الكبير للحملات الانتخابية لمرشحي الانتخابات البلدية التركية سواء الأحزاب أو المستقلين الذين تغرق لافتاتهم شوارع وأزقة إسطنبول وغيرها من المدن والقرى التركية إلا أن درجة الاهتمام بهذه الانتخابات على المستوى الشعبي أقل من سابقتها التي جرت في يونيو/حزيران 2019، التي شهدت فيها العاصمة الاقتصادية إسطنبول جولة إعادة بين مرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم، ومرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو الذي فاز في النهاية إلى جانب زميله في الحزب منصور يافاش الفائز بالعاصمة السياسية أنقرة..

وقد ظهر هذا التراجع بشكل ملموس في المؤتمر الانتخابي الحاشد والنهائي لحزب العدالة والتنمية لدعم مرشحه لرئاسة بلدية إسطنبول مراد كوروم بحضور الرئيس أردوغان يوم الأحد الماضي في حديقة الشعب (ساحة مطار أتاتورك الذي تم الاستغناء عنه بمطار اسطنبول الجديد) حيث حضر هذا المؤتمر 650 ألف فقط، وهو ما لفت انتباه الرئيس أردوغان نفسه الذي بدا غير راض عن هذا الحضور، و”أكد في كلمته أنه معتاد على حضور ما يقرب من مليون ونصف المليون في هذا الميدان”، وهو ما حدث بالفعل في مؤتمره الانتخابي الرئاسي في مايو/أيار الماضي، الذي جرى في ظل استقطاب حاد جدا، ومخاوف كبيرة من الهزيمة دفعت الحزب وحلفاءه للحشد بكل قوة، كما شارك المجنسون الأجانب بكل قوة أيضا في تلك الانتخابات في ظل تصاعد موجة العداء لهم من أنصار المعارضة.

من خلال الحوار المباشر مع أهل اسطنبول سواء كانوا أتراكا أصليين أو مجنسين جددا ظهر التراجع في الاهتمام بالمشاركة سواء في الحملات الانتخابية أو في الرغبة في الذهاب إلى التصويت يوم الأحد المقبل 31 مارس/آذار 2024 في 81 ولاية تركية.

التضخم وغزة على الخط

هناك أسباب موضوعية لهذا التراجع في الاهتمام، أولها الأزمة الاقتصادية وموجة التضخم العالية التي تجاوزت 65% ودفعت الحكومة لرفع الفائدة البنكية حتى 50% لامتصاص هذه الموجة، وهذه الأزمة سيكون لها تأثير مزدوج، الأول: في حالة الإحباط والزهد في التصويت، والثاني: في التصويت العقابي ضد مرشحي حزب العدالة والتنمية وخاصة في البلديات الكبرى كنوع من الاحتجاج الصامت.

موقف النظام التركي من حرب غزة له دور كبير في تراجع رغبة الكثيرين عن التصويت هذه المرة، ذلك أن قطاعا كبيرا من المحافظين الأتراك وهم الحاضنة الرئيسية لحزب العدالة والتنمية غير راضين عن موقف حكومتهم، واستمرار علاقتها الاقتصادية القوية مع إسرائيل، ورفض الحزب الحاكم نفسه كشف الشركات التركية التي لا تزال في علاقات تعاون تجاري مع إسرائيل.. كان هذا القطاع يتوقع موقفا قويا من الرئيس أردوغان على غرار مواقفه السابقة، لكنه لم يجد سوى تصريحات دون تحركات عملية مؤثرة باستثناء بعض المساعدات التي لا تختلف فيها تركيا عن غيرها من الدول الإسلامية.

من الأسباب أيضا أن المعارضة هي التي تدير بالفعل البلديات الثلاث الكبرى وهي أنقرة واسطنبول وإزمير، وبالتالي فلن يكون في الأمر جديد إذا ظلت هذه البلديات في يدها، ولم تنتقل لحزب العدالة والتنمية الذي كثف جهوده لاستعادة بلديتي أنقرة وإسطنبول تحديدا (على اعتبار أن إزمير محسومة دوما للمعارضة العلمانية بحكم طبيعتها السياحية)، وقد حاول الرئيس أردوغان استجلاب الدعم لمرشحيه بتأكيده أن هذه الانتخابات ستكون الأخيرة في مسيرته السياسية وفقا للدستور التركي.

لا يعني هذا أن فوز المعارضة بهاتين البلديتين مضمون تماما فتجربة رئيسي البلديتين المنتمين لحزب الشعب المعارض (أكرم إمام أوغلو، ومنصور يافاش) لم تكن عند مستوى طموحات الناخب التركي، ولم يستطع أي منهما تقديم إنجازات ملموسة، أو حتى تنفيذ وعوده الانتخابية التي أطلقها قبل 5 سنوات، وبالتالي هناك تصويت عقابي سينالهما أيضا، وستظل نتيجة هاتين البلديين رهنا بتحالفات أخرى مع أحزاب صغيرة.

دور الأحزاب الصغيرة

وكعادتها تسعى هذه الأحزاب الصغيرة لتحقيق أكبر استفادة من هذه الانتخابات التي لا تستطيع تحقيق نتائج جيدة فيها بمفردها فتسعى للدخول في تحالفات أو تنسيقات مع أحزاب أخرى، او مع شخصيات مستقلة قوية في بعض البلديات، وتتيح الانتخابات البلدية لهذه الأحزاب الصغيرة دخول تحالفات متضادة في ولايات مختلفة، كأن تكون مع حزب الشعب في ولاية أو بعض الولايات وتكون مع حزب العدالة في ولايات أخرى، فالتنسيق هنا يكون محليا وليس مركزيا بالضرورة، وفي هذه الانتخابات ظهر انسحاب حزب الهدى الكردي الإسلامي من تحالف العدالة والتنمية ليقدم مرشحيه بشكل مستقل في معظم الولايات واقتصر تنسيقه او تحالفه مع العدالة والتنمية في البلديات الكبرى فقط، في حين أصر حزب الرفاه من جديد برئاسة فاتح أربكان الذي كان جزءا من تحالف العدالة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية وفاز فيها بخمس مقاعد على الترشح في مواجهة مرشح العدالة والتنمية مباشرة في إسطنبول، وذلك بعد أن رفض حزب العدالة والتنمية ترك بعض البلديات الصغيرة له، وربما يراهن الحزب على جولة ثانية بين المرشحين الكبيرين لحزب العدالة وحزب الشعب، وساعتها سترتفع قيمته في الانحياز لأحدهما في جولة الإعادة.

لا يمكن الجزم بالنتائج مسبقا للانتخابات التركية، فهي انتخابات حقيقية ليست كما يحدث في بلداننا العربية بما فيها ذات الهامش الديمقراطي، فهناك هامش لتغيرات الرأي العام حتى اللحظات الأخيرة، وفقا لقوة الحملات الانتخابية والقدرة على الحشد، أو لتغير التحالفات التي تظل مرنة حتى اللحظات الأخيرة أيضا، وفي كل الأحوال فإن ما في القدر ستظهره المغرفة كما يقول المثل الشعبي.

المصدر : الجزيرة مباشر