السجل الإسرائيلي في تجاهل قرارات مجلس الأمن

نتنياهو يرفض الدعوة لانتخابات جديدة في إسرائيل
نتنياهو يرفض الدعوة إلى اانتخابات جديدة في إسرائيل (رويترز)

استمرت الولايات المتحدة في خداع الرأي العام الدولي بإعلان مندوبتها بالأمم المتحدة، أن قرار مجلس الأمن الأخير الخاص بوقف إطلاق النار في غزة غير مُلزم، بعدما منعت مجلس الأمن مسبقا من إصدار بيان بشأن مجزرة الطحين التي راح ضحيتها أكثر من مئتي شهيد، واستخدمت الفيتو ثلاث مرات لمنع صدور قرارات من مجلس الأمن لوقف الحرب.

كل ذلك لتمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاستمرار قصفها الوحشي لرفح تمهيدا للغزو البري لها، إلى جانب استمرار عملياتها بباقي أنحاء غزة التي توجد بها قوات إسرائيلية، وكما هو المتوقع صمتت الدول الأوروبية والعربية عن تجاهل إسرائيل لقرار مجلس الأمن الأخير، وإعلان عدد من قيادتها عدم الالتزام به، رغم بقاء أقل من أسبوعين على انتهاء شهر رمضان الذي نص قرار مجلس الأمن الأخير على وقف القتال خلاله فقط.

وهو ما يعني على المستوى العملي إعطاء الأمريكان والأوروبيين والعرب لنتنياهو مهلة زمنية، لتحقيق الهدف المشترك لتلك الأطراف بالقضاء على المقاومة، وعدم السماح لها بتحقيق أي انتصار عسكري أو سياسي، ويتساوى مع ذلك الموقفان الروسي والصيني الراميان إلى استمرار الحرب في غزة لشغل الولايات المتحدة بها، واستنزاف جانب من أسلحتها بها لتقليل مساعداتها لأوكرانيا، وخفض درجة انشغالها بالصراع مع الصين، وها هي الولايات المتحدة تشترك مع بريطانيا في فرض عقوبات على منظمة غزة الآن، بزعم تمويلها لحماس لإضعاف قدرتها على تمويل أنشطتها التي وصفتاها بأنها إرهابية.

    80 قرارا لمجلس الأمن بشأن فلسطين

وقد بقي مع القضية الفلسطينية بعض المواقف المشكورة، المتمثلة في إعلان إسبانيا أنها اتفقت مع أيرلندا ومالطا وسلوفينيا على اتخاذ خطوات أولى نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومطالبة رئيس كولومبيا دول العالم بقطع علاقاتها بإسرائيل إذا خالفت قرار مجلس الأمن الأخير، وإعلان أيرلندا اعتزامها التدخل في قضية الإبادة الجماعية التي أقامتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل.

ومنذ عام 1948 أصدر مجلس الأمن أكثر من ثمانين قرارا يتصل بالقضية الفلسطينية، إلا أن غالبيتها تحولت إلى حبر على ورق بسبب تجاهل إسرائيل تنفيذها، مستندة إلى الحماية الأمريكية والغربية لها بل وخرق الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمضمون بعض تلك القرارات.

وتنوعت موضوعات تلك القرارات بين قرارات تتعلق بالحفاظ على طابع مدينة القدس، وأخرى تمنع التوسع في إقامة المستوطنات، وقرارات ضد ترحيل السكان من الأراضي الفلسطينية، وأخرى تؤكد حرية العبادة بالمسجد الأقصى وحماية الأماكن المقدسة بالقدس، وقرارات تؤكد إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية وأخرى تدعو إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي التي احتلها عام 1967، وكذلك تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

وأشهر تلك القرارات قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967، الذي دعا إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي التي احتلها في حرب 1967 وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، والقرار 338 لسنة 1973 الذي أعاد التأكيد على تنفيذ القرار 242 بجميع أجزائه، وحتى الآن ما زالت إسرائيل تحتل الجولان بل اعترف لها الرئيس الأمريكي ترامب بالسيادة عليه، كما تحتل مساحات كبيرة من الضفة الغربية وأقامت عليها مستوطنات.

   إجراءات أمريكية معاكسة للمجلس بالقدس

وفيما يتعلق بمدينة القدس كان القرار 60 لسنة 1948 و252 لسنة 1968 الذي اعتبر أن جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس، بما فيها مصادرة الأراضي والأملاك، أعمال باطلة، وهو ما كرره مجلس الأمن بالقرار 298 لعام 1971 وكذلك بالقرار 476 لسنة 1980، وبقراره 478 لسنة 1980، إذ دعا الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية لها بالقدس إلى سحب هذه البعثات من المدينة المقدسة، ورغم ذلك وجدنا الرئيس الأمريكي ترامب ينقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وبالنسبة للمستوطنات فقد أكد القرار 446 لسنة 1979 أن سياسة إسرائيل في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967، ليس لها شرعية قانونية ودعا إسرائيل إلى إلغاء تدابيرها السابقة، وهو ما كرره بالقرار 452 في نفس العام مؤكدا ضرورة اتخاذ تدابير لتأمين الحماية للأملاك المُصادرة.

وكذلك بالقرار 465 لسنة 1980 الذي دعا إسرائيل إلى تفكيك المستوطنات القائمة، والتوقف فورا عن إنشاء المستوطنات بالأراضي العربية المحتلة عام 1967، ودعا كافة الدول إلى عدم تقديم أيّ مساعدات إلى إسرائيل يمكن استعمالها فيما يتعلق بالمستوطنات بالأراضي العربية المحتلة، وهو ما كرره بالقرار 471 لعام 1980، وبالقرار 904 لسنة 1994، إذ دعا إلى منع أعمال العنف غير المشروعة من جانب المستوطنين الإسرائيليين.

وفي القرار 2334 لعام 2016 أدان بناء المستوطنات وتوسيعها ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، وتشريد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، والنتيجة أن إسرائيل لم تلتفت إلى كل تلك القرارات واستمرت في التوسع بالمستوطنات ومصادرة الأراضي، واستمر المستوطنون في ممارسة أعمال العنف والقتل وحرق ممتلكات الفلسطينيين.

أما حل الدولتين فقد جاء بالقرار 1397 لسنة 2002 والقرار 1515 لسنة 2003، والقرار 1850 لسنة 2008 والقرار 2720 لعام 2023 الذي رفض أيضا التهجير القسري للسكان المدنيين، ودعا إلى اتخاذ خطوات عادلة فورية لإيصال المساعدات الإنسانية بشكل موسع وآمن ودون عوائق، وهو القرار الذي أعقبه امتناع العديد من الدول الغربية عن مواصلة مساعداتها لوكالة غوث اللاجئين بل ومنع إسرائيل مدير المنظمة من دخول غزة مؤخرا.

    4 قرارات خلال 15 عاما

وفي مرحلة تاريخية مبكرة دعا مجلس الأمن إلى حماية الأماكن المقدسة ومدينة القدس بالقرار 50 لسنة 1948، الذي أكد حرية الوصول إلى جميع المزارات والمعابد بغرض العبادة، وهو ما تكرر بالقرار 54 بنفس السنة، ورغم ذلك لا تزال إسرائيل تمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى بين الحين والآخر.

والملاحظ أن كثرة القرارات التي حدثت عام 1948 بصدور 16 قرارا يتعلق بالقضية الفلسطينية، وسبع قرارات عام 1980، وست قرارات عام 1967، وكذلك عام 1982، وخمس قرارات عام 2002، قد تراجعت في السنوات الأخيرة حيث خلت فترة ما بين 2009 و2016 من صدور قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وأبرزها العدوان على غزة عام 2014 الذي استمر 54 يوما.

وكذلك خلت فترة ما بين 2016 و2023 من أي قرارات رغم تكرار اعتداء القوات الإسرائيلية على غزة وخاصة عام 2021. وهكذا أصدر المجلس أربع قرارات فقط تتعلق بالقضية الفلسطينية خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة منذ عام 2009.

كما تتسم قرارات مجلس الأمن باللغة الهادئة مثل الشجب والإدانة دون التهديد بأيّ عقوبات في حالة مخالفة تلك القرارات، إذ اكتفى المجلس بإدانة مذبحة صبرا وشاتيلا للمدنيين الفلسطينيين في بيروت بالقرار 521 لسنة 1982 دون أي إجراءات أو عقوبات، وشجب قرار إسرائيل استئناف إبعاد المدنيين الفلسطينيين بقراره 681 لسنة 1990، وأدان بشدة مذبحة الحرم الإبراهيمي بالقرار 904 لسنة 1994 الذي دعا إلى مصادرة الأسلحة لمنع أعمال العنف غير المشروعة من جانب المستوطنين الإسرائيليين. وهو ما لم يقع بل شهدنا توزيع السلاح على المستوطنين مؤخرا.

كما أدان المجلس الاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين في حادث القتل الذي وقع بالمسجد الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000 بالقرار 1322 لعام 2000، وتكررت إدانته لقتل المدنيين الفلسطينيين وهدم المنازل في رفح بقراره 1544 لسنة 2004.

ولقد أثبتت عملية طوفان الأقصى أن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة، وأنه لا سبيل إلى التصدي لها إلا بالقوة، خاصة بعد انكشاف ادعاءاتها عن قوة جيشها ومخابراتها.

ولهذا تصر الدول الغربية والعربية على مساندة إسرائيل بالسلاح والأموال وحصار المقاومة وتجويع سكان غزة، واستخدام مجلس الأمن وغيره من المحافل الدولية وسيلةً لكسب الوقت وخداع المُناصرين لفلسطين، ومساندة إسرائيل لعدم الانصياع لقرارات محكمة العدل الدولية، التي تلزمها باتخاذ خطوات لمنع وقوع جريمة الإبادة ضد الفلسطينيين بغزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية فورا بلا انقطاع، في حين تتواطأ تلك الأنظمة الغربية والعربية على منع وصول المساعدات، والتجهيز للغزو البري لرفح لدفع أكبر عدد من السكان إلى الهجرة الاضطرارية، بعد هدم وتخريب بيوتهم ومرافقهم وأعمالهم ومزارعهم.

المصدر : الجزيرة مباشر